مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٧ - ٢٢ سورة الحج
الحج من المظاهر الجليّة لهذه العبادة التي أشرنا إلى فلسفتها من قبل.
ثم تضيف الآية: «لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ» فمن جهة تستفيدون من لحومها وتطعمون الآخرين، ومن جهة اخرى تستفيدون من آثارها المعنوية بإيثاركم وسماحكم وعبادتكم اللَّه، وبهذا تتقرّبون إليه سبحانه وتعالى.
ثم تبيّن الآية كيفية ذبح الحيوان: «فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ». أي: اذكروا اسم اللَّه حين ذبح الحيوان وفي حالة وقوفه مع نظائره في صفوف.
وليس لذكر اللَّه حين ذبح الحيوان أو نحر الناقة صيغة خاصة، بل يكفي ذكر اسم من أسماء اللَّه عليها، كما يبدو من ظاهر الآية.
«صوافّ»: جمع «صافّة» بمعنى الحيوان الواقف في صفّ، وكما ورد في الأحاديث فإنّ القصد من ذلك عقل رجلي الناقة الأماميّتين معاً حين وقوفها من أجل منعها من الحركة الواسعة حين النحر، وطبيعي أنّ أرجل الناقة تضعف حين تنزف مقداراً من الدم، فتتمدّد على الأرض، ويقول القرآن المجيد هنا: «فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ». أي عندما تستقر ويهدأ جانبها (كناية عن لفظ الأنفاس الأخيرة) فكلوا منها وأطعموا الفقير القانع والسائل المعتر.
الفرق بين «القانع» و «المعتر» هو أنّ القانع يطلق على من يقنع بما يُعطى وتبدو عليه علائم الرضى والإرتياح ولا يعترض أو يغضب، أمّا المعترّ فهو الفقير السائل الذي يطالبك بالمعونة ولا يقنع بما تعطيه، بل يحتجّ أيضاً.
إنّ عبارة «كُلُوا مِنْهَا» توجب أن يأكل الحجّاج من أضاحيهم، ولعلّها ترمي إلى مراعاة المساواة بين الحجّاج والفقراء.
وتنتهي الآية بالقول: «كَذلِكَ سَخَّرْنهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ». وإنّه لمن العجب أن يستسلم حيوان عظيم الجثّة هائل القوّة لطفل يعقل يديه معاً ثم ينحره.
تجيب الآية التالية عن هذه الأسئلة: «لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا». إنّ اللَّه ليس بحاجة إلى لحوم الأضاحي، فما هو بجسم، ولا هو بحاجة إلى شيء، وإنّما هو موجد كل وجود وموجود. إنّ الغاية من الاضحية كما تقول الآية: «وَلكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ». فالهدف هو أن يجتاز المسلمون مراحل التقوى ليبلغوا الكمال ويتقربوا إلى اللَّه.