مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٦ - ٢٢ سورة الحج
ذبح حيوان باسم اللَّه ولكسب رضاه يبيّن إستعداد الإنسان للتضحية بنفسه في سبيل اللَّه، والاستفادة من لحم الاضحية وتوزيعه على الفقراء أمر منطقي.
ولذا يذكر القرآن في نهاية هذه الآية: «فَإِلهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ». وبما أنّه إله واحد «فَلَهُ أَسْلِمُوا». وبشّر الذين يتواضعون لأحكامه الربانية و «بَشّرِ الْمُخْبِتِينَ» [١].
ثم يوضّح القرآن المجيد في الآية التالية صفات المخبتين (المتواضعين) وهي أربع: إثنتان منها ذات طابع معنوي، وإثنتان ذات طابع جسماني.
يقول في الأوّل: «الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ». لا يخافون في غضبه دون سبب ولا يشكّون في رحمته، بل إنّ خوفهم ناتج عن عظمة المسؤوليات التي بذمّتهم، واحتمال تقصيرهم في أدائها، وليقينهم بجلال اللَّه سبحانه يقفون بين يديه بكل خشوع.
والثاني: «وَالصبِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ». فهؤلاء يصبرون على ما يكابدونه في حياتهم من مصائب وآلام، ولا يكفرون بأنعم اللَّه أبداً، وبإيجاز نقول: يستقيمون وينتصرون.
والثالث والرابع: «وَالْمُقِيمِى الصَّلَوةِ وَمِمَّا رَزَقْنهُمْ يُنفِقُونَ». فمن جهة توطّدت علاقتهم ببارىء الخلق وإزدادوا تقرّباً إليه، ومن جهة اخرى إشتدّ إرتباطهم بالخلق بالإنفاق.
٢٢/ ٣٨- ٣٦ وَ الْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَ أَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَ لَا دِمَاؤُهَا وَ لكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَ بَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)
لماذا الاضحية؟ عاد الحديث عن مراسم الحج وشعائره الإلهية والاضحية ثانية، ليقول أوّلًا: «وَالْبُدْنَ جَعَلْنهَا لَكُم مّن شَعَائِرِ اللَّهِ». إنّ «البُدن»: وهي الإبل البدينة تعلّقت بكم من جهة، ومن جهة اخرى هي من شعائر اللَّه وعلائمه في هذه العبادة العظيمة، فالاضحية في
[١] «المخبتين»: مشتقة من «الإخبات» وأصلها «خبت» وهي الأرض المستوية الواسعة التي يمشي الإنسان فيها بكلّ سهولة، كما جاءت بمعنى الإطمئنان والخضوع، لأنّ السير في هذه الأرض يلازمه الإطمئنان، ولهذا تكون خاضعة مستسلمة للسائرين عليها.