مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٩ - ٢١ سورة الأنبياء
نجاة يونس من السجن المرعب: تبيّن هاتان الآيتان جانباً من قصة النبي الكبير يونس عليه السلام، حيث تقول الاولى واذكر يونس إذ ترك قومه المشركين غاضباً عليهم: «وَذَا النُّونِ إِذْ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا». «النون»: تعني السمكة العظيمة. أو بتعبير آخر: تعني الحوت. وبناءً على هذا فإنّ «ذاالنون» معناه صاحب الحوت.
إنّه ذهب مغاضباً «فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ» [١]. فقد كان يظنّ أنّه قد أدّى كل رسالته بين قومه العاصين، ولم يترك حتى «الأولى» في هذا الشأن، مع أنّ الأولى هو بقاؤه بينهم والصبر والتحمّل والتجلّد، فلعلّهم ينتبهون من غفلتهم ويتّجهون إلى اللَّه سبحانه.
وأخيراً، ونتيجة تركه الأولى هذا، ضيّقنا عليه فابتلعه الحوت «فَنَادَى فِى الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحنَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ». فقد ظلمت نفسي، وظلمت قومي، فقد كان ينبغي أن أتقبّل وأتحمّل أكثر من هذه الشدائد والمصائب، واواجه جميع أنواع التعذيب والآلام منهم فلعلّهم يهتدون.
وتقول الآية التالية: «فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنهُ مِنَ الْغَمّ وَكَذلِكَ نُنجِى الْمُؤْمِنِينَ».
جملة «كَذلِكَ نُنجِى الْمُؤْمِنِينَ» العميقة المعنى توحي بأنّ ما أصاب يونس من البلاء والنجاة لم يكن حكماً خاصّاً، بل حكم عام مع حفظ تسلسل الدرجات والمراتب.
إنّ كثيراً من الحوادث المؤلمة والإبتلاءات الشديدة والمصائب نتيجة لذنوبنا ومعاصينا، فمتى ما تنبّه الإنسان إلى ثلاثة امور [التي إنتبه إليها يونس في مثل هذا الظرف] فإنّه سينجو حتماً:
١- التوجّه إلى حقيقة التوحيد، وأنّه لا معبود ولا سند إلّااللَّه.
٢- تنزيه اللَّه عن كل عيب ونقص وظلم وجور، وتجنّب كل سوء ظنّ بذاته المقدّسة.
٣- الإعتراف بذنبه وتقصيره.
في تفسير الدرّ المنثور عن سعد سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يقول: «اسم اللَّه الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متّى». قلت يا رسول اللَّه هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: «هي ليونس خاصة وللمؤمنين إذا دعوا بها، ألم تسمع قول اللَّه «وَكَذلِكَ نُنجِى الْمُؤْمِنِينَ»، فهو شرط من اللَّه لمن دعاه».
[١] «نقدر»: من مادّة قدر بمعنى التعسير والتضييق، لأنّ الإنسان عند التضييق يأخذ من كل شيء قدراًمحدوداً، لا على نطاق واسع وبدون حساب.