مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٣ - ٢٠ سورة طه
ثم تقول: «إِذْ رَءَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنّى ءَانَسْتُ نَارًا لَّعَلّى ءَاتِيكُم مّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى». «فَلَمَّا أَتهَا نُودِىَ يَا مُوسَى* إِنّى أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى».
ويستفاد من الآية (٣٠) من سورة القصص، أنّ موسى قد سمع هذا النداء من جهة شجرة كانت هناك: «فَلَمَّا أَتهَا نُودِىَ مِنْ شطِىِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يمُوسَى إِنّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعلَمِينَ». إنّ موسى لمّا اقترب شاهد النار في داخل الشجرة، وهذه النار ليست ناراً عادية، بل إنّ هذا النور الإلهي الذي ليس لم يحرق الشجرة وحسب، بل إنّه منسجم معها، ألا وهو نور الحياة.
وقد هام موسى لدى سماعه هذا النداء المحيي للروح: «إِنّى أَنَا رَبُّكَ» وشعر بكل وجوده بلذّة لا يمكن وصفها.
لقد امر أن يخلع نعليه، لأنّه قد وضع قدمه في أرض مقدسة ... الأرض التي تجلّى فيها النور الإلهي، ويسمع فيها نداء اللَّه، ويتحمل مسؤولية الرسالة، فيجب أن يخطو في الأرض بمنتهى الخضوع والتواضع، وهذا هو سبب خلعه النعل عن رجله.
ثم سمع هذا الكلام من نفس المتكلم: «وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى». ومن بعدها تلقّى موسى أوّل جملة من الوحي على شكل ثلاثة امور: «إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لَاإِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِى». شرعت هذه الآية في بيان أهم أصل لدعوة الأنبياء في هذه الآية، ألا وهو مسألة التوحيد، وبعدها ذكرت موضوع عبادة اللَّه الواحد كثمرة لشجرة الإيمان والتوحيد، ثم أصدرت له أمر الصلاة بعد ذلك، وهي تعني أكبر عبادة وأهم إرتباط بين الخلق والخالق، وأكثر الطرق تأثيراً في عدم الغفلة عن الذات المقدسة.
ولمّا كان المعاد هو الأصل والأساس الثاني، فبعد ذكر التوحيد وأغصانه وفروعه، أضافت الآية التالية: «إِنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَعْسَى».
إنّ علّة إخفاء تاريخ القيامة حسب الآية، هي: «لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَعْسَى». وبتعبير آخر: فإنّ كون الساعة مخفية سيوجد نوعاً من حرية العمل للجميع.
وأشارت الآية الأخيرة إلى أصل اساسي يضمن تنفيذ كل البرامج العقائدية والتربوية، فتقول: «فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّايُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَيهُ» والّا فسوف تهلك «فَتَرْدَى» فاصمد في مقابل الكافرين ووساوسهم وعراقيلهم، ولا تدع للخوف من كثرتهم