مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠١ - ٢٠ سورة طه
ثم تقول الآية: «مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى». «تشقى»: مأخوذة من مادة الشقاء ضدّ السعادة، إلّاأنّ هذه المادة تأتي أحياناً بمعنى المشقّة والتعب، والمراد في الآية هذا المعنى.
ثم تبيّن الآية الاخرى الهدف من نزول القرآن فتقول: «إِلَّا تَذْكِرَةً لّمَن يَخْشَى».
إنّ التعبير ب «تذكرة» من جهة، وب «من يخشى» من جهة اخرى يشير إلى واقع لا يمكن إنكاره، وهو: إنّ التذكرة توحي بأنّ أسس ومقومات كل التعليمات الإلهية موجودة في أعماق روح الإنسان وطبيعته، وتعليمات الأنبياء تجعلها مثمرة، وتوصلها إلى حدّ النضج، كما نذكّر أحياناً بمطلب وأمر ما.
إنّ تعبير «من يخشى» يبيّن أنّ نوعاً من الإحساس بالمسؤولية، والذي سمّاه القرآن بالخشية، إذا لم يكن موجوداً في الإنسان، فسوف لا يقبل الحقائق.
ثم تتطرق الآيات إلى التعريف باللَّه تعالى المنزل للقرآن، لتّتضح عظمة القرآن من خلال معرفته، فتقول: «تَنزِيلًا مّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّموَاتِ الْعُلَى».
إنّ هذا التعبير إشارة إلى ابتداء وانتهاء نزول القرآن، انتهاؤه إلى الأرض وابتداؤه من السماوات.
ثم تستمر في تعريف اللَّه المنزل للقرآن فتقول: «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى».
إنّ هذا التعبير كناية عن تسلّط اللَّه، وإحاطته الكاملة بعالم الوجود، ونفوذ أمره وتدبيره في جميع أنحاء العالم.
ثم تتحدث عن مالكية اللَّه بعد حاكميته فتقول: «لَهُ مَا فِى السَّموَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى». «الثرى»: في الأصل بمعنى التراب الرطب، ولمّا كانت قشرة الأرض- فقط- هي التي تجف نتيجة لأشعة الشمس وهبوب الرياح، وتبقى الطبقة السفلى- غالباً- رطبة، فإنّه يقال لهذه الطبقة: ثرى. وعلى هذا فإنّ «وَمَا تَحْتَ الثَّرَى» تعني أعماق الأرض وجوفها، وكلها مملوكة لمالك الملك وخالق عالم الوجود.
وأشارت الآية التالية إلى الركن الرابع، أي «العالمية»، فقالت: «وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السّرَّ وَأَخْفَى».
وعرف منزل القرآن من مجموع الآيات أعلاه معرفة إجمالية في الأبعاد الأربعة: الخلقة، والحكومة، والمالكية، والعلم.
و الآية التالية ربّما تشير إلى ما ذكرنا: «اللَّهُ لَاإِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى».