مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٦ - ١٩ سورة مريم
٨، ٩، ١٠- ولمّا كان جامعاً لكل هذه الصفات البارزة، والأوسمة الكبيرة، فإنّ اللَّه سبحانه قد سلّم عليه في ثلاثة مواطن: «وَسَلمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا». إنّ جملة «سَلمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ ...» يبيّن أنّ في تاريخ حياة الإنسان وانتقاله من عالم إلى عالم آخر ثلاثة أيام صعبة: يوم يضع قدمه في هذه الدنيا: «يَوْمَ وُلِدَ» ويوم موته وانتقاله إلى عالم البرزخ «وَيَوْمَ يَمُوتُ» ويوم بعثه في العالم الآخر «وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا». ولمّا كان من الطبيعي أن تكون هذه الأيّام مرافقة للإضطرابات والقلق، فإنّ اللَّه سبحانه يكتنف خاصة عباده بلطفه وعافيته، ويجعل هؤلاء في ظلّ حمايته ومنعته في هذه المراحل العسيرة الثلاثة.
شهادة يحيى عليه السلام: لقد أصبح يحيى ضحيّة للعلاقات غير الشرعية لأحد طواغيت زمانه مع أحد محارمه، حيث تعلّق «هروديس» ملك فلسطين اللاهث وراء شهواته ببنت أخته «هروديا» ولذلك صمم على الزواج منها.
فبلغ هذا الخبر نبي اللَّه العظيم يحيى عليه السلام، فأعلن بصراحة أنّ هذا الزواج غير شرعي ومخالف لتعليمات التوراة، وسأقف أمام مثل هذا العمل.
لقد انتشر صخب وضوضاء هذه المسألة في كل أرجاء المدينة، وسمعت تلك الفتاة (هروديا) بذلك، فكانت ترى يحيى أكبر عائق في طريقها، ولذلك صممت على الإنتقام منه في فرصة مناسبة، فعمّقت علاقتها بخالها ووطّدتها، وجعلت من جمالها مصيدة له، فقالت هروديا: لا أريد منك إلّارأس يحيى.
فسلّم هيروديس لما أرادت من دون أن يفكّر ويتنبه إلى عاقبة هذا العمل، ولم يمض قليل من الزمن حتى احضر رأس يحيى عند تلك المرأة الفاجرة، إلّاأنّ عواقب هذا العمل الشنيع قد أحاطت به، وأخذت بأطرافه في النهاية.
في تفسير مجمع البيان عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: «خرجنا مع الحسين عليه السلام فما نزل منزلًا ولا ارتحل منه إلّاذكر يحيى بن زكريا وقتله، وقال يوماً: ومن هوان الدنيا على اللَّه عزّ وجل أنّ رأس يحيى بن زكريا اهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل». أي إنّ ظروفي تشابه من هذه الناحية ظروف وأحوال يحيى، لأنّ أحد أهداف ثورتي محاربة الأعمال المخزية لطاغوت زماني يزيد.