مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٤ - ١٩ سورة مريم
ممزوجة بلطفه الكريم وعنايته الخاصة، وتبدأ بهذه الجملة: «يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشّرُكَ بِغُلمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَّجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا». أمّا زكريا الذي كان يرى أنّ الأسباب الظاهرية لا تساعد على الوصول إلى مثل هذه الأمنية، فإنّه طلب توضيحاً لهذه الحالة من اللَّه سبحانه: «قَالَ رَبّ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا».
«عاقر»: في الأصل من لفظة «عقر» بمعنى الجذر والنهاية، أو بمعنى الحبس، وإنّما يقال للمرأة، عاقر؛ لأنّ قابليتها على الولادة قد انتهت، أو لأنّ إنجاب الأولاد محبوس عنها.
«العتيّ»: تعني الشخص الذي نحل جسمه وضعف هيكله، وهي الحالة التي تظهر على الإنسان عند شيخوخته.
إلّا أنّ زكريا سمع في جواب سؤاله قول اللَّه سبحانه: «قَالَ كَذلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ».
إنّ هذه ليست بالمسألة العجيبة، أن يولد مولود من رجل طاعن في السن مثلك، وامرأة عقيم ظاهراً «وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيًا»، فإنّ اللَّه قادر على أن يخلق كل شيء من العدم، فلا عجب أن يتلطّف عليك بولد في هذا السن وفي هذه الظروف.
وقد سرّ زكريا وفرح كثيراً لدى سماعه هذه البشارة، وغمر نور الأمل نفسه، لكن لمّا كان هذا النداء بالنسبة إليه مصيرياً ومهماً جدّاً، فإنّه طلب من ربّه آية على هذا العمل:
«قَالَ رَبّ اجْعَل لِّى ءَايَةً».
لا شك أنّ زكريا كان مؤمناً بوعد اللَّه، وكان مطمئناً لذلك، إلّاأنّه لزيادة الإطمئنان- كما أنّ إبراهيم الذي كان مؤمناً بالمعاد طلب مشاهدة صورة وكيفية المعاد في هذه الحياة ليطمئن قلبه- طلب من ربّه مثل هذه العلامة والآية، فخاطبه اللَّه: «قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلّمَ النَّاسَ ثَلثَ لَيَالٍ سَوِيًّا»، واشغل لسانك بذكر اللَّه ومناجاته.
وهذه واقعاً معجزة بيّنة حيث إنّ إنساناً يمتلك لساناً سليماً، وقدرة على كل نحو من المناجاة مع اللَّه، ومع ذلك لا تكون له القدرة على التحدّث أمام الناس.
بعد هذه البشارة والآية الواضحة، خرج زكريا من محراب عبادته إلى الناس، فكلّمهم بالإشارة: «فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا»، لأنّ النعمة الكبيرة التي منّ اللَّه بها على زكريا قد أخذت بأطراف القوم، وكان لها تأثير على مصير ومستقبل كل هؤلاء.