مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤١ - ٢٦ سورة الشّعراء
الدنيا، ومنهمكون بعبادة الزينة والجمال والعمل في القصور حتى نسيتم الدار الآخرة.
في تفسير مجمع البيان روى عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال: «إنّ لكل بناء يبنى وبال على صاحبه يوم القيامة، إلّاما لابدّ منه».
ثم ينتقد النبي (هود) قومه على قسوتهم وبطشهم عند النزاع والجدال فيقول: «وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ».
يدل هذه الآيات الثلاث أعلاه على أنّ عشق الدنيا كان قد هيمن عليهم، وأغفلهم عن ذكر اللَّه حتى ادعوا الألوهية.
والقسم الثالث من حديث هود مما بيّنه لقومه، هو ذكر نعم اللَّه على عباده ليحرك فيهم- عن هذا الطريق- الإحساس بالشكر لعلهم يرجعون نحو اللَّه.
وفي هذا الصدد يتبع النبي هود أسلوبي الإجمال والتفصيل، وهما مؤثران في كثير من الأبحاث، فيلتفت نحوهم أوّلًا فيقول:
«وَاتَّقُوا الَّذِى أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ» [١].
وبعد هذا التعبير المجمل يذكر تفصيل نعم اللَّه عليهم، فيقول: «أَمَدَّكُم بِأَنْعمٍ وَبَنِينَ».
ثم يضيف بعد ذلك: «وَجَنتٍ وَعُيُونٍ».
وهكذا فقد وفر اللَّه لكم سبل الحياة جميعاً، من حيث الأبناء أو القوّة الإنسانية، والزراعة والتدجين ووسائل الحمل والنقل.
وأخيراً، فإنّ هوداً في آخر مقطع من حديثه مع قومه ينذرهم ويهددهم بسوء الحساب وعقاب اللَّه لهم، فيقول: «إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ».
وعادة- يستعمل لفظ (اليوم العظيم) في القرآن، ويراد منه يوم القيامة العظيم من كل وجه، إلّاأنّه قد يستعمل في القرآن في اليوم الصعب الموحش المؤلم على الامم. فبناء على هذا قد يكون التعبير ب «يوم عظيم» في الآية محل البحث، إشارة إلى اليوم الذي ابتلي به المعاندون من قوم هود (عاد) بالعذاب الأليم.
كما يمكن أن يكون إشارة إلى يوم القيامة وعذابه، أو إلى العذابين معاً، فيوم الاعصار يوم عظيم، ويوم القيامة يوم عظيم أيضاً.
[١] «أمدّ»: مأخوذ من «الإمداد»، ويطلق في الأصل على أمور توضع بعضها بعد بعض بشكل منظم، وحيث إنّ اللَّه يرسل نعمه بشكل منظم إلى عباده استعملت هذه الكلمة هنا أيضاً.