مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٠ - ٢٦ سورة الشّعراء
وبعد ذكر هذا الإجمال يقع التفصيل، فيتحدث القرآن عنهم فيقول: «إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ».
لقد دعاهم إلى التوحيد والتقوى في منتهى الشفقة والعطف والحرص عليهم، لذلك عبّر عنه القرآن بكلمة «أخوهم».
ثم أضاف قائلًا: «إِنّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ». وما سبق من حياتي بين ظهرانيكم يدل على هذه الحقيقة، فإنّي لم أخنكم أبداً ولم تجدوا منّي غير الصدق والحق.
ثم يضيف مؤكّداً: لما كنتم تعرفونني جيداً «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ». لأنّ إطاعتكم إيّاي إطاعة للَّهسبحانه ... ولا تتصوروا بأنّي أدعوكم لأنتفع من وراء دعوتي إيّاكم في حياتي الدنيا وأنال المال والجاه، فلست كذلك، «وَمَا أَسَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبّ الْعَالَمِينَ». فجميع النعم والبركات من عنده سبحانه، وإذا أردت شيئاً طلبته منه، فهو ربّ العالمين جميعاً.
والقرآن الكريم يستند في هذا القسم من سيرة «هود» في قومه إلى أربعة امور على الترتيب:
فالأمر الأوّل: هو محتوى دعوة «هود» الذي يدور حول توحيد اللَّه وتقواه، وقرأنا ذلك بجلاء في ما مضى من الآي.
أمّا الامور الثلاثة الأخر فيذكرها القرآن حاكياً عن لسان هود في ثوب الإستفهام الإنكاري، فيقول: «أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ ءَايَةً تَعْبَثُونَ».
«الريع»: في الأصل يطلق على المكان المرتفع؛ و «تعبثون»: مأخوذ من «العبث» ومعناه العمل بلا هدف صحيح، ومع ملاحظة كلمة «آية» التي تدل على العلامة، يتّضح معنى العبارة بجلاء، وهو أنّ هؤلاء القوم المثرين، كانوا يبنون على قمم الجبال والمرتفعات الاخر مباني عالية للظهور والتفاخر على الآخرين، وهذه المباني (كالأبراج وما شاكلها) لم يكن من ورائها أي هدف سوى لفت أنظار الآخرين.
وأمّا الأمر الثالث الذي ذكره القرآن حاكياً على لسان هود منتقداً به قومه، فهو قوله: «وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ».
«المصانع»: جمع «مصنع» ومعناه المكان أو البناء المجلل المحكم، والنبي هود لا يعترض عليهم لأنّ لديهم هذه البنايات المريحة الملائمة، بل يريد أن يقول لهم: إنّكم غارقون في أمواج