مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٩ - ٢٤ سورة النّور
«وَيُنَزّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ». أي من جبال السحب في السماء تنزل قطرات المطر على شكل ثلج وبرد، فتكون بلاء لمن يريد اللَّه عذابه فتصيب هذه الثلوج المزارع والثمار وتتلفها وقد تصيب الناس والحيوانات فتؤذيهم، «فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ». ومن لم يرد تعذيبه دفع عنه هذا البلاء، «وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ».
أجل، إنّه هو الذي ينزّل الغيث المخصب من سحابة تارة ... وهو الذي يصيّره برداً بأدنى تغيير بأمره فيصيب به (بالأذى) من يشاء، وربّما يكون مهلكاً أحياناً.
وهذا يدل على منتهى قدرته وعظمته إذ جعل نفع الإنسان وضرره وموته وحياته متقارنة، بل مزج بعضها ببعض.
وفي نهاية الآية يشير إلى ظاهرة أخرى من الظواهر السماوية التي هي من آيات التوحيد فيقول سبحانه: «يَكَادُ سَنَابَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصرِ». فالسحب المؤلفة من ذرات الماء تحمل في طيّاتها الشحنات «الكهربائية»، وتُومض إيماضاً يُذهل برقها (العيون) والأبصار ويصكّ رعدها السمع من صوته، وربّما اهتزت له جميع الاجواء.
إنّ هذه الطاقة الهائلة يبن هذا البخار اللطيف لمثيرةٌ للدهشة حقاً ...
وأشارت الآية التالية إلى إحدى معاجز الخلق ودلائل عظمة اللَّه، وهو خلق الليل والنهار بما فيهما من خصائص، حيث تقول: «يُقَلِّبُ اللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِى ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِى الْأَبْصرِ».
إنّ لتعاقب الليل والنهار والتغييرات التدريجية الحاصلة منه أثر فعّال في استدامة الحياة وبقاء الإنسان، وفي ذلك عبرة لُاولي الأبصار.
وأشارت آخر الآيات- موضع البحث- إلى أوضح دليل على التوحيد، وهي مسألة الحياة بصورها المختلفة، فقالت: «وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاءٍ». أي أنّ أصلها جميعاً من ماء، ومع هذا فلها صور مختلفة: «فَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ» كالزواحف؛ «وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ» كالإنسان والطيور؛ «وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى أَرْبَعٍ» كالدواب.
وليس الخلق محدداً بهذه المخلوقات، فالحياة لها صور اخرى متعددة بشكل كبير، سواء كانت أحياء بحرية أم حشرات بأنواعها المتعددة التي تبلغ آلاف الأنواع، لهذا قالت الآية في الختام: «يَخْلُقُ اللّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ».