مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧١ - ٢٤ سورة النّور
وبيّنت الآية الأخيرة في ثلاث جمل، الجذور الأساسية ودوافع عدم التسليم إزاء تحكيم الرسول صلى الله عليه و آله، فقالت أوّلًا: «أَفِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ».
هذه صفة من صفات المنافقين يتظاهرون بالإيمان، ولكنّهم لا يسلّمون بحكم اللَّه ورسوله، ولا يستجيبون له، إمّا بسبب انحرافهم قلبياً عن التوحيد أو الشك والتردد: «أَمِ ارْتَابُوا». وطبيعي أنّ الذي يتردد في عقيدته، لن يستسلم لها أبداً.
وثالثها فيما لو لم يلحدوا ولم يشكوا، أي كانوا من المؤمنين: «أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ».
في الوقت الذي يعتبر هذا تناقضاً صريحاً، إذ كيف للذي يؤمن برسالة محمّد صلى الله عليه و آله ويعتبر حكمه حكم اللَّه تعالى أن ينسب الظلم إلى الرسول صلى الله عليه و آله؟!
وهل يمكن أن يظلم اللَّه أحداً؟ أليس الظلم وليد الجهل أو الحاجة أو الكبر؟
إنّ اللَّه تعالى مقدس عن كل هذه الصفات؛ «بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظلِمُونَ». إنّهم لا يقتنعون بحقّهم، وهم يعلمون أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله لا يجحف بحق أحد، ولهذا لا يستسلمون لحكمه.
٢٤/ ٥٤- ٥١ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَ أَطَعْنَا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَخْشَ اللَّهَ وَ يَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢) وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَ عَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَ إِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)
الإيمان والتسليم التام إزاء الحقّ: لاحظنا في الآيات السابقة ردّ فعل المنافقين لحكم اللَّه ورسوله صلى الله عليه و آله، أمّا الآيات- موضع البحث- فإنّها تشرح موقف المؤمنين إزاء حكم اللَّه ورسوله، فتقول: «إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا».
كيف يمكن أن يرجّح شخص حكم شخص آخر على حكم اللَّه، وهو يعتقد بأنّ اللَّه عالم بكلّ شيء، ولا حاجة له بأحد، وهو الرّحمن الرّحيم؟ وكيف له أن يقوم بعمل إزاء حكم اللَّه إلّاالسمع والطاعة؟