مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٥ - ٢١ سورة الأنبياء
والشرب والملذّات، ويظنّون أنّ العالم بلا هدف، القرآن الكريم يقول في الآيات التي نبحثها من أجل إبطال هذا النوع من التفكير، وإثبات وجود هدف عال وسام من وراء خلق كل العالم، وخاصة البشر: «وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لعِبِينَ».
إنّ هذه الأرض الواسعة، وهذه السماء المترامية الأطراف، وكل هذه الموجودات المتنوعة البديعة التي توجد في ساحتها تبيّن أنّ هدفاً مهماً في خلقها ... نعم، إنّ الهدف هو بيان قدرة الخالق الجليل، وإبراز جانب من عظمته من جهة، ومن جهة اخرى ليكون دليلًا على المعاد، وإلّا فإنّ كل هذه الضجّة والغوغاء إن كانت لبضعة أيّام فلا معنى لها.
ثم تقول الآية التالية: الآن وقد ثبت أنّ العالم له هدف فإنّه لا ريب في أنّ الهدف من هذا الخلق لم يكن أن يلهو اللَّه سبحانه وتعالى عن ذلك، فإنّ هذا اللهو غير معقول، ف «لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فعِلِينَ». «اللعب»: يعني العمل غير الهادف، و «اللهو»:
إشارة إلى الأهداف غير المعقولة والملاهي.
هذه الآية تبيّن حقيقتين:
الاولى: أنّه تشير إلى أنّ من المحال أن يكون هدف اللَّه هو اللهو.
والاخرى: إنّه على فرض أنّ الهدف هو اللهو، فيجب أن يكون لهواً مناسباً لذاته، كأن يكون من عالم المجردات وأمثال ذلك، لا من عالم المادة المحدود.
ثم تقول بلهجة قاطعة من أجل إبطال أوهام الجاهلين الذين يظنّون عدم هدفية الدنيا، بل هي للهو واللعب فقط: إنّ هذا العالم مجموعة من الحق والواقع، ولم يقم أساسه على الباطل «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلَى الْبطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ». وتقول في النهاية: «وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ» وتتحدثون عن عدم هدفية الخلق.
أي إنّنا نجعل الأدلة العقلية والإستدلالات الواضحة والمعجزات البيّنة إلى جانب ظنون وأوهام اللاهدفيين، لتتبخّر وتتلاشى هذه الأوهام في نظر العلماء وأصحاب الفكر والرأي.
«نقذف»: من مادة «قذف» بمعنى الإلقاء، وخاصةً الإلقاء من طريق بعيد، ولما كان للقذف من بعيد سرعة وقوة أكثر، فإنّ هذا التعبير يبيّن قدرة إنتصار الحق على الباطل.
«يدمغه»: (على قول الراغب) كسر «الجمجمة والدماغ»، وتعتبر أكثر نقطة في بدن الإنسان حساسية، وهو تعبير بليغ عن غلبة جند الحق غلبة واضحة قاطعة.