المبسوط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٦٣ - الأُولى آية النفر
والإنذار والتحذّر بعد الإنذار، وإلاّ للزم لغوية النفر.
ثمّ إنّ المراد من الحذر ليس الحذر القلبي دون أن ينضم إليه العمل، بل المراد القيام بالوظيفة، قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَات أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا).[١] أي خذوا أسلحتكم لأنّها الآلة التي بها يُتقى عند الحذر.
كما أنّ وجوب التحذّر بعد الإنذار مطلق، سواء أفاد قول المنذر العلم أم لا. وبما أنّ المنذر في الآية رجل متفقّه في الدين تكون دلالتها على رجوع العامّي إلى الفقيه لأخذ أحكام دينه، أوضح من دلالتها على حجّية رواية الراوي ونقله الحديث، وإن لم يكن متفقّهاً في الدين، خصوصاً إذا كان قليل الرواية وبعيداً عن مجالس العلماء والرواة. ويلاحظ على الاستدلال بالآية بأمرين:
الأوّل: أنّ المتبادر من الآية هو الإنذار بالمعنى المطابقي وهو شأن الواعظ الذي ينذر الناس بما وعد الله في كتابه، كما جاء في قوله سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)[٢]، وقوله سبحانه:(...وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم)[٣]، وأمّا ما يقوم به الفقيه من بيان الأحكام فليس فيه أي إنذار إلاّ بالدلالة الالتزامية، وهو غير منصرف الآية.
الثاني: أنّ الآية ليست بصدد بيان كيفية الإنذار حتى يؤخذ بإطلاقها
[١] النساء:٧١. ٢ . النساء:١٠. ٣ . التوبة:٣٤.