المبسوط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٢ - الأوّل بناء العقلاء
وناقش في هذا الكلام المحقّق النائيني بأنّ ما ذكره في المقام مناقض تماماً لما ذكره في باب حجّية خبر الواحد من باب بناء العقلاء، حيث قال هناك بأنّ ما دلّ على عدم حجّية الظن لا يصلح لأن يكون رادعاً لبناء العقلاء إلاّ بالدور، مع أنّه سلّم برادعية ما في الكتاب لبناء العقلاء في الاستصحاب بلا دور، فما الفرق بين المقامين؟
وقد أجاب بعض أساتيذنا عن مناقشة المحقّق النائيني فقال: بوجود الفرق بين المقامين بأنّ قول الثقة مفيد للاطمئنان الذي هو علم عند العرف، فلا ينتقل العرف من النهي عن العمل بالظن إلى النهي عن العمل بقول الثقة ; لأنّه لا يراه ظنّاً، بخلاف الاستصحاب فهو ليس مفيداً للاطمئنان حتى يكون علماً عرفياً، بل مفيد للظن فيكفي في ردّه الآيات الناهية عن العمل بالظن.
ويمكن أن يجاب عن مناقشة المحقّق الخراساني بوجه آخر وهو: أنّ الآيات الناهية عن العمل بالظن لا تشمل كلا الموردين، لا مورد خبر الثقة ولا الاستصحاب; لأنّ المراد بالظن في هذه الآيات هو الوهم والتخيّل غير المستند إلى شيء، يقول سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى)[١]، ثم يردّ عليهم بقوله: (وَ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْني مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ).[٢]
ترى أنّ الظنّ في الآية أُريد به التخيّل ; لأنّ المصوّرين يقومون بتصوير الملائكة بصورة الأُنثى فيكون هذا مبدأً لتخيّلهم بأنّهم أُناث.
[١]النجم:٢٧.
[٢] النجم:٢٨.