المبسوط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٠٤ - ٨ التقية، وفيها أمران
وربما يتصوّر البعض أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) يتّقون من كلّ عالم سنّي يكون حاضراً في مجالسهم، سواء كان عالم قرية أو مدينة أو مفتياً منهم، فلأجل ذلك كان يفتي على حسب مذهبهم، وعندما يخلو مجلسه منهم يفتي وفق الواقع.
وهذا المعنى غير صحيح; لأنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام) كانوا في قمّة المجتمع ـ خصوصاً الإمامين الصادقين(عليهما السلام) ـ فإنّ الفقهاء بلا استثناء يرجعون إليهم ويسألونهما،ويتعلّمون منهما أُموراً كثيرة،فلا يعقل اتّقاء الإمام مع ما له من المنزلة بين الناس والعلماء من هؤلاء.
كلّ ذلك يدلّ على أنّ إفتاءهم على وفق مذهب أهل السنّة لم يكن خوفاً على أنفسهم، وإنّما كان لأجل أمرين نشير إليهما لاحقاً.
نعم كانوا(عليهم السلام) يتّقون في موارد ترجع إلى الخلافة وشؤونها، ويشهد على ذلك ما ورد من الروايات حول يوم الشكّ حيث روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال وهو بالحيرة في زمان أبي العباس:«إنّي دخلت عليه وقد شكّ الناس في الصوم، وهو والله من شهر رمضان فسلّمت عليه، فقال: يا أبا عبد الله، أصمت اليوم؟ فقلت: لا، والمائدة بين يديه، فقال: فادن فكل، قال: فدنوت فأكلت، قال: وقلت: الصوم معك والفطر معك»، فقال الرجل لأبي عبد الله(عليه السلام): تفطر يوماً من شهر رمضان؟ فقال: «أي والله، أفطر يوماً من شهر رمضان أحب إليّ من أن يضرب عنقي».[١]
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الإفتاء على خلاف الواقع كان لأجل أمرين:
[١] الوسائل:٧، الباب ٥٧ من أبواب ما يمسك عنه وقت الإمساك، الحديث ٤، والرواية مرسلة لا تحتاج إلى التأمّل، ولاحظ بقية أحاديث الباب.