المبسوط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٦ - التفصيل الأوّل الفرق بين الشكّ في المقتضي والشكّ في الرافع
يحصل اليقين بالفسخ أو النقل بأحد النواقل. وهذا بخلاف ما إذا علم بالغبن فلو بادر بالفسخ يحكم بانفساخ العقد، وأمّا لو تساهل يوماً فنشك في بقاء الغبن من حيث الاستعداد ; لأنّ الدليل هو قاعدة لا ضرر، والضرر يدفع في الآن الأوّل العرفي، ومع التساهل لا دليل على بقاء الغبن إلاّ الاستصحاب.
وقد ذكرنا ضابطة لكلا القسمين في بعض دوراتنا فنقول: كلّ حكم أو موضوع لو ترك لبقي إلى أن يرفعه الرافع، فلو شكّ في وجود الرافع فهو من قبيل الشكّ في الرافع، وكلّ حكم أو موضوع لو ترك لانتهى بنفسه، وإن لم يكن هناك رافع، فلو شكّ فيه فهو من قبيل الشكّ في المقتضي.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى بيان أدلّة الشيخ على هذا التفصيل. فنقول: إنّ الشيخ استدلّ بوجهين: تارة بمادة النقض، وأُخرى بهيئة الفعل ـ أعني: لا تنقض ـ وإليك بيان الوجهين:
أمّا الأوّل: فإنّ النقض حقيقة في رفع الهيئة الاتصالية، فيقال: نقضت الحبل، وقال سبحانه: (وَلاَ تَكُونُوا كَالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّة أَنْكَاثًا)[١]، وبما أنّ هذا المعنى غير متوفر في مورد اليقين والشكّ فيتعذر فيه المعنى الحقيقي، فلابد أن يقوم مقامه المعنى المجازي، فالأقرب إلى المعنى الحقيقي ما أُحرز فيه المقتضي للبقاء وشُكّ في تحقّق الرافع كالوضوء إذا شُكّ في حدوث النوم، وأمّا الأبعد فهو رفع اليد عن مطلق الشيء وإن شُكّ في أصل اقتضائه للبقاء مع غضّ النظر عن الرافع. والمعنى الأوّل أقرب،
[١] النحل:٩٢.