المبسوط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٢٨ - فصل الإطلاق والتجزّي في الاجتهاد
وكلا الوجهين بمكان من الوهن:
أمّا الأوّل فلأنّ الاجتهاد وإن كان ملكة بسيطة لا تتبعّض ولكنّها ذات مراتب شديدة وضعيفة كسائر الملكات، والبساطة لا تنافي كون الشيء ذا مراتب.
وهذا كملكة الخطابة فإنّ بين الخطيب الضعيف والقوي مراتب مختلفة، فأين مقالة الحريري في مقاماته من خطب الإمام (عليه السلام) في «نهج البلاغة»، مع أنّ بينهما أيضاً درجات ومراتب.
وإن شئت قلت: إنّ الملكة البسيطة قابلة للانقسام حسب المتعلّق، فملكة الاجتهاد في العبادات غير ملكة الاجتهاد في المعاملات، وربّما يتوفّق أحد المستنبطين لاستنباط أحكام العبادات بسهولة، دون أن يكون قادراً على استنباط أحكام المعاملات.
ويلاحظ على الوجه الثاني: أنّ المستنبط إذا تفحّص ولم يجد شيئاً فيما يتعلّق بالمسألة يطمئن بعدم وجود دليل بين سائر أدلّة الفقه له علاقة بهذه المسألة.
مضافاً إلى أنّ الجيل الحاضر قد ورث تراثاً فقهياً ضخماً فالفقهاء فيما مضى بذلوا جهوداً حثيثة في جمع كلّ ماله صلة بمسألة من المسائل الفقهية على نحو يطمئن المستنبط في زماننا على عدم وجود وفاق وخلاف حول هذه المسألة إلاّ وقد وقع في متناول يده.