المبسوط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٤٣ - مقتضى القاعدة الأوّلية على القول بالسببيّة
يلاحظ عليه بأمرين:
أوّلاً: أنّ موضوع المصلحة السلوكية التي احتملها الشيخ الأنصاري هو الخبر المجرد عن التعارض; وذلك لأنّ الشيخ افترضها في مقابل دعوى ابن قبة من أنّ العمل بالأمارة مفوّت للمصلحة أو ملق في المفسدة، فأجاب الشيخ بأنّه نحتمل بأنّ في العمل بالأمارة مصلحة جابرة للمصلحة الفائتة أو دافعة للمفسدة المحتملة، فعلى هذا فموضوع المصلحة السلوكية هو الخبر غير المتعارض، وأمّا المتعارضان فليس في واحد منهما تلك المصلحة المحتملة.
ثانياً: أنّك قد عرفت أنّ الميزان في كون المورد من قبيل التعارض أو التزاحم هو أنّه لو كان التكاذب و التنافي في مقام الجعل فيدخل في باب التعارض، وأمّا لو كان التنافي في باب الامتثال فيدخل في باب التزاحم، ومن المعلوم أنّ الخبرين المتعارضين ـ حتى على القول بالمصلحة السلوكية وجعل الحكم المماثل لكلّ منهما ـ يتكاذبان في مقام الإنشاء، مثلاً إذا دلّ أحد الخبرين على الوجوب والآخر على الحرمة، فالتكاذب وإن لم يكن بين الدلالتين المطابقيتين لكنّه موجود في الدلالة الالتزامية لكلّ مع الدلالة المطابقية للآخر، فإذا قال: يجب، فهو يدلّ بالدلالة الالتزامية على أنّه لا يحرم، وهكذا العكس، ومع هذا كيف يمكن عدّ الخبرين المتعارضين من باب التزاحم حتى على القول بالسببية؟! إذ غاية ما تقتضي السببية جعل الحكم المماثل لمؤدّاه، ومن المعلوم أنّ جعل حكمين ظاهريين متقابلين، يتكاذبان في مقام الجعل ولو في الظاهر.