الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٤ - أسباب التقصير
ولذلك استعملوا الرأي والقياس في دين اللَّه، وتركوا الآثار ودانوا اللَّه بالبدع، وقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: كلّ بدعة ضلالة، فلو أنّهم إذا سُئلوا عن شيء من دين اللَّه فلم يكن عندهم منه أثر عن رسول اللَّه ردّوه إلى اللَّه وإلى الرسول وإلى أُولي الأمر منهم، لَعلِمهُ الذين يستنبطونه منهم من آل محمّد عليهم السلام، والذي منعهم من طلب العلم منّا العداوة والحسد لنا، لا و اللَّه ما حسد موسى عليه السلام العالِم، وموسى نبيّ اللَّه يُوحي اللَّه إليه، حيث لقيه واستنطقه وعرّفه بالعلم ولم يحسد كما حسدتنا هذه الأُمّة بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله على ما عَلِمنا وما ورثنا عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، ولم يرغبوا إلينا في عِلمنا كما رَغب موسى عليه السلام إلى العالِم وسأله الصحبة ليتعلّم منه ويرشده، فلمّا أن سأل العالِمَ ذلك عَلِم العالِمُ أنّ موسى عليه السلام لا يستطيع صحبته ولا يحتمل علمَه ولا يصبر معه، فعند ذلك قال العالِم: «وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً» [١]، فقال موسى عليه السلام له وهو خاضع له يستعطفه على نفسه كي يقبله: «سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً» [٢].
وقد كان العالم يعلم أنّ موسى عليه السلام لا يصبر على علمه، فكذلك- و اللَّه يا إسحاق بن عمّار- حال قضاة هؤلاء وفقهائهم وجماعتهم اليوم، لا يحتملون و اللَّه- علمنا ولا يقبلونه ولا يطيقونه ولا يأخذون به ولا يصبرون عليه، كما لم يصبر موسى عليه السلام على علم العالِم حين صحبه ورأى ما رأى من علمه، وكان ذلك عند موسى عليه السلام مكروهاً، وكان عند اللَّه رضاً وهو الحقّ وكذلك علمنا عند الجهلة مكروه لا يؤخَذ وهو عند اللَّه الحقّ» [٣].
وفي هذه الرواية العديد من الوجوه على ضرورة موقعية الإمام في القيمومة على الشريعة، وسيأتي بيانها مفصّلًا، إلّاأنّنا نقتصر في المقام على نبذة مجملة منها، وهي أنّ النبيّ موسى عليه السلام مع كونه نبيّاً مرسلًا من أولي العزم يتنزل عليه الوحي، أي إنّه محيط بالأحكام الشرعية وتشريعات اللَّه على ما هي عليه في الواقع، أي بالأحكام الواقعية، إلّاأنّ ذلك لم يغنه عن العلم اللدني الذي أعطاه اللَّه
[١] سورة الكهف ١٨: ٦٨.
[٢] سورة الكهف ١٨: ٦٩.
[٣] تفسير البرهان ص ٦٥١- ٦٥٢.