تفسير ملاحم المحكمات - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٨٤ - التوحيد في العبادة والاستعانة
رفض الوسطاء بين اللَّه والإنسان، هؤلاء الوسطاء الذين أفتعلتهم المذاهب، فتعلّم السورة البشر أن يرتبط باللَّه بدونما واسطة وتبلور هذا الارتباط الوثيق بين اللَّه والإنسان وبين الخالق والمخلوق دونما واسطة، وإن كان نبيّاً مرسلًا أو ملَكاً مقرّباً، ومن ثمّ صار لهذه السورة الصدارة في الكتاب العزيز، وهذا المضمون يحرّر الإنسان عن أيّ موجود من الموجودات ويربطه باللَّه وحده.
ولو تحرّك الإنسان في دائرة استنطاق الأسباب إنّما يتحرّك بدائرة أمر اللَّه تعالى وهو مسبّب الأسباب.
والصحيح: أنّ العبادة للَّهتعالى هي على أنماط بقدر ما للعبادة من معاني، فمنها الطاعة والخضوع والانقياد والتذلّل والتأليه والتوجّه وغيرها، وهذه الأنماط منها ما قد فصّله الباري في كتابه، فجعل من بنود طاعته طاعة رسوله، فإنّ اقتران طاعة اللَّه مع طاعة الرسول في موارد كثيرة عديدة للتأكيد على أنّ طاعة اللَّه لا تنفكّ، بمعنى أنّ طاعة اللَّه لا يمكن أن يتفرّد بها عبد من دون أن تقترن بطاعة الرسول صلى الله عليه و آله، فجعل اللَّه تعالى طاعة رسوله طاعة له، فقال: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ) [١].
ولذلك جعل طاعة اولي الأمر مقرونة بطاعة الرسول وطاعته تعالى، فقال:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [٢])، فلا تتمّ طاعة اللَّه تعالى إلّاباستكمال طاعة رسوله واولي الأمر.
فتوحيده تعالى بالطاعة وهي نمط من العبادة لا يتمّ إلّابطاعة من نصبهم اللَّه سفراء بينه وبين خلقه، بل لو تمرّد عاصٍ على طاعة الرسول واولي الأمر من أهل بيته، لمّا وحّد اللَّه في الطاعة ولا كان موحّداً للَّهفي هذا النمط من العبادة، وكذلك
[١] النساء ٤: ٨٠.
[٢] النساء ٤: ٥٩.