تفسير ملاحم المحكمات - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٥٤ - قاعدة ضابطة المثل والتمثيل
كلّ أصل فيحتاج إلى ترتيب مقدّمات وأدلّة ترشده إلى النتائج، ومن ثمّ تنبع الحاجة إلى تعليم الوحي وكشفه للعقل ما عجز، ولا يعني هذا إقصاء العقل وإلغاءه، بل هو صاحب الدور الرئيسي، فإنّه هو الذي يقرأ تعاليم الوحي ويفهمها، وهو المخاطب في الأصل بتلك التعاليم، فالوحي بمنزلة النور المضيء للطريق إلى الحقائق والعقل بمنزلة العين الباصرة لذلك.
ولك أن تقول: إنّ حجّيّة العقل بمعنى الفهم غير محدودة بحدّ، وهي على طوال المسير، وهو ما تقوم به القوّة العاقلة.
وأمّا حجّيّة العقل بمعنى ذات الدليل، وهو الذي يسمّى بالعلم، فالعلم نوره ذاتيّ وكاشفيّته ذاتيّة، غاية الأمر أنّ قدرة الإنسان بلحاظ القوى الإدراكيّة التي تستحصل مواد ومقدّمات العلم ومعطياته ونتائجه، كالقوّة المفكّرة والقوّة المتصرّفة، هي قوّة محدودة لمحدوديّة حواسّ الطبيعة الإنسانيّة، سواء حواسّه الظاهرة أو حواسّه الباطنة، ومن ثمّ احتاج الإنسان إلى قوّة الوحي الإلهي أو النبوّات والرسالات.
فالوحي ليس بديل العلم، إذ العلم حجّيّته ونوره ذاتيّ، وهو انكشاف تكويني للحقائق والواقعيّات، سواء كان بقدرة الإنسان أو بقدّرة الوحي، كما أنّ الوحي لم يكن بديلًا عن فهم العقل وذوق القلب إذاً حجّيّة الفهم العقلي وذوق القلب حجّيّة مطلقة لا تعطّل بحال من الأحوال.
وإنّما الوحي قدره من ملكوت السماء تتمكّن منها النفس النبويّة أو الولويّة تكون مسعفاً ومكمّلًا للقصور الموجود في قدرات قوى الإنسان الاعتيادي.
وعلى ذلك فيتبيّن أنّ حجّيّة العقل بمعنى الفهم والذوق غير مقيّدة، بل مطلقة، ولا تعطّل بحال، وهو بمنزلة العين الباصرة، كما أنّ حجّيّة العلم الذي هو بمنزلة