تفسير ملاحم المحكمات - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٢٧ - الابتداع والسنن الحسنة
ويحيى عليهما السلام هي من تشريعات الأنبياء السابقين وليس من ابتداع البشر، وهي وإن كانت منسوخة في شريعتنا، إلّاأنّه كما بيّنا في حلقة النسخ أنّه وإن كان عزيمة في نفي المشروعيّة، إلّاأنّه لا ينافي الرجحان الذاتيّ في نفسه، وإن لم يستلزم ذلك بقاء المشروعيّة.
فكم فرق وبون كبير بين ما شُرّع على أيدي الأنبياء ونُسخ في شريعة خاتم الأنبياء، وبين ما ابتدع من قِبل سائر البشر وأتباع الأنبياء، وأمّا الموارد التي كانت في سيرة النبيّ صلى الله عليه و آله فقد تقدّم نقل الأقوال في بقاء مشروعيّة تلك الأفعال، وأنّها لم تنسخ، وأنّ المحصّل من الآيات الواردة في شأنه صلى الله عليه و آله هو نفي الاستمرار والدوام على أحمز الأعمال وأشقّها، وأنّه سيحصل من تلك الآيات قاعدة في باب العبادات والرياضات الشرعيّة، وهي مراعاة عدم الوقوع في إشقاء النفس، وتوخّي الرفق والتدرّج فيها، فما في آية سورة طه يتطابق مع ما في آيتي الرهبانيّة وآية المائدة، من نفي الشدّة والشقاء في العبادات والرياضات الشرعيّة، ولزوم توخّي ما سُنّ في شريعة خاتم الأنبياء من الوسائل الموصوفة بكونها الشريعة السمحة السهلة، إذ قال جملة من المحقّقين: «أنّ ما في سنن خاتم الأنبياء صلى الله عليه و آله هو أشدّ امتحاناً للنفس ممّا في سنن الأنبياء السابقين، وذلك لسهولة الانقطاع بنحو البتر والبتل عن غرائز النفس بنحو دفعي أو ببناء عادة دائمة، وهذا بخلاف إذاقة النفس جملة من اللذائذ، الفينة بعد الاخرى، مع ترويض إمساكها، فإنّ ذلك أصعب وأشدّ في الاستقامة».
فتبيّن أنّ ما في سيرته صلى الله عليه و آله لا ينطبق مع ما عليه الترهّب عند النصارى حتّى اعتكافه صلى الله عليه و آله في غار حراء، فإنّه لم يكن انقطاعاً دائماً عن الناس وإرشاد العباد، بل هو نظير ما روي من مماثلة أمير المؤمنين لما قام به صلى الله عليه و آله من عبادته وتهجّده ليلًا