تفسير ملاحم المحكمات - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٨٥ - القاعدة السابعة
يعاصرهم الإنسان، بل يعمّ رؤوس الظلم من بداية الخلقة إلى نهايتها، فالموقف واحد متّصل، كما في قوله تعالى: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَ الَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَ مِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَ بَدا بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَ الْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [١].
وهذه الآية في سياق قوله تعالى في أوائل السورة: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ...) [٢]).
والقطيعة في الآية الكريمة مع أعداء اللَّه لا تختصّ بمن هو معاصر راهن، بل تعمّ كلّ من انطبق عليه هذا الوصف في غابر التاريخ وفي مستقبله، فليس لمسلم ولا مؤمن أن يتّخذ قابيل وقارون ولا فرعون ولا نمرود قدوة ينتهج مسارهم أو نموذجاً يستأنس بسلوكيّاتهم، وهذه أحد حِكم القطيعة والتبرّي والمجافاة، والسبب في هذا التعميم علاوة على عموم دلالة الآيات موضوعاً الواردة في التبرّي أنّ مشاهد الحقب التاريخيّة وأشخاص الإنسانيّة شاخصة في المنظر العقلي والذهني والفكري للبشريّة، وصوره حاضرة في البصر الإنساني غير غائبة، وإن غابت أبدانهم، إلّاأنّ أفعالهم وصفاتهم ماثلة للعيان في النفس البشريّة الراهنة.
وهذا لا يقتصر على من مضى، بل يعمّ من هو آت، ولا يقتصر هذا التقريب على هاتين الآيتين من آيات التبرّي والقطيعة والمجانبة لروّاد الضلال، بل هو في جملة الآيات العديدة في هذا المضمار.
وكذلك في آيات التولّي والتضامن، والمساندة والدعم، والتأييد والاحتفاء،
[١] الممتحنة ٦٠: ٤.
[٢] الممتحنة ٦٠: ١.