تفسير ملاحم المحكمات - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٨٤ - القاعدة السابعة
بخاتم المرسلين كما بشّروا بالآخرة، فلا يقرّ القرآن بالفواصل والحواجر التاريخيّة، بل هناك عولمة واحدة عبر كلّ الأزمان وليست العولمة هي بتساقط الفواصل الجغرافيّة المكانيّة، بل نرى في تعاليم القرآن المعرفيّة وسننه في اصول التربية الاجتماعيّة أنّه يسقط الفواصل في الجغرافية الزمنيّة، فالإنسان لا يعيش حبيس عصره، بل هو منفتح على كلّ الأدوار الزمنيّة وكلّ الثقافات، وعلى وتيرة تفاعل وتأثير وتأثّر، ومن ثمّ لا نجد في القرآن الكريم تكريساً لهذه الفواصل كما لا يعترف بهذه الجدر، بل يرى الحقب الزمانيّة منفتحة على بعضها البعض.
وهذا ما سيتجسّد عيناً في عرصات المحشر، حيث ينادي القرآن الكريم:
(قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ* لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) [١].
فالبشريّة بأفكارها ومدارسها واتّجاهاتها تعيش مشهداً واحداً روحيّاً وعقليّاً وثقافيّاً، تلمّ بالألوان وتلوّنات كثيرة، وليس بإمكان فرد أو حقبة زمنيّة أن تنأى بفكرها وعقلها وروحها عن بقيّة الحقب، إذ البيئة هذه لا تعرف الحدود الزمانيّة، وإن اختلفت الاتّجاهات والانتماءات والأهواء؛ وذلك لأنّ الإنسان لا يعيش ببدنه فقط المحبوس في حقبة زمنيّة، بل من مكوّنات الإنسان الروح والعقل وقوّة الفكر والقلب بما يحمل من أحاسيس وعواطف وضمير، فإنّ هذه القوى والمكوّنات كما هي مقرّرة في البحث العقلي موجودة في افق ما وراء الزمان، ويهيمن على كلّ الأزمنة، أيمجرّدة عن هذه المادّة الغليظة الأرضيّة.
ومن ثمّ شأن أفعالها وأحكام أفعالها كما هو الحال في أحكام المعارف لا يتقيّد بالزمان، فالتبرّي والقطيعة، والشجب والإدانة، لا يختصّ برؤوس الظلم الذين
[١] الواقعة ٥٦: ٤٩ و ٥٠.