تفسير ملاحم المحكمات - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٤٧ - المعلَم الرابع الهداية وافتراقها عن عموم العلم
والهداية كما في «صحاح الجوهري» و «القاموس»: الرشاد والدلالة [١]، وهذان المعنيان عبارة اخرى عن الايصال إلى المطلوب، وهو الرشاد والرشد، والثاني إراءة الطريق، وهو الدلالة والكاشفيّة، وقريب من ذلك ما ذكره الفتوني في «مرآة الأنوار»، قال: «الهداية في الاستعمال الشرعيّ: الدلالة إلى الحقّ والدعاء إليه، وإراءة الطريق والإرشاد إليه، والأمر به» [٢]).
وبشيء من التدقيق، فإنّ المائز بين المعنيين للهداية هو الفارق بين فعل قوّة العقل النظريّ الذي شأنه الإراءة ومجرّد الإدراك من دون استدعاء عمل ولا حركة، بخلاف فعل قوّة العقل العمليّ الذي شأنه الدعوة والتحريك والبعث والحاكميّة والآمريّة والناهويّة بالزجر، وإن لم يصل إلى حدّ الإلجاء. وبالتالي فهذان المعنيان لغتان للعقل النظريّ والعمليّ.
ومن أمثلة التعدّد لمعنى الهداية ما في قوله تعالى: (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ) [٣]، فالإنذار إراءة للطريق يقوم به الأنبياء والرسل، فهم المنذرون، والهداية وهي الايصال للمطلوب وهو دور يقوم به الأئمّة، سواء أكانوا من الأنبياء أو الأوصياء.
وعلى أيّ تقدير: فبين الهداية بمعنييها فرق فارق مع مطلق الآية، فإنّ كلّ علم لا يتخطّى حدود متعلّقه وموضوعه وغايته، فمثلًا علوم الطبيعيّات، كعلم الفيزياء يتناول أحوال المادّة، وعلم الأحياء يتناول أحوال الكائن الحيّ الجسماني، وعلم الكيمياء يتناول التفاعل بين عناصر الموادّ، وعلم الرياضيّات يتناول العدد
[١] الصحاح: ٦: ٢٥٣٣. القاموس المحيط: ٤: ٤٠٣.
[٢] مرآة الأنوار مشكاة الأسرار: ٥٤٤.
[٣] الرعد ١٣: ٧.