تفسير ملاحم المحكمات - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٣٣ - المعلَم الأوّل تجنّب الريب
صفة الجاهلين والكفّار، وكذلك الحال في الشكّ، ولم يوصف أهل التقوى واليقين بهاتين الصفتين، ولا يخفى أنّ الشكّ والريب ليسا صفتين تعبّران عن درجة العلم أو الإدراك، كالاحتمال والظنّ واليقين والوهم، بل هما صفتان تعبّران عن الحالة العمليّة في جنبة النفس، نظير القطع والاطمئنان والسكينة، فهما من الصفات العمليّة للنفس.
وبذلك يظهر أنّ الشكّ ليس كما درج عليه المناطقة أو الفلاسفة أو في اصطلاح العلوم المختلفة من تساوي الاحتمالين أو تقاربهما في النسبة، بل الشكّ في حقيقته هو حالة من الاضطراب النفسي والتردّد والحيرة وانجذاب النفس إلى الاحتمالين أو الاحتمالات، مع عجز في قدرة النفس عن التمييز والفحص.
وكذلك الحال والريب والريبة، لكن بنحو أشدّ كما في وصف المنافقين في قوله تعالى: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَ لا إِلى هؤُلاءِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) [١].
وهذه حالة عيّ وإعياء في النفس تفقد فيها القدرة على إحكام التدبير لرفع الجهالة أو السعي والفحص، فلا يظنّن ظانّ أنّ القرآن يسدّ باب السؤال والفحص وإبداء الاحتمال والتحرّي والتنقيب والتفتيش، وكيف والقرآن الكريم يدعو في امّ المعرفة وهي معرفة اللَّه والتوحيد، إلى التدبّر والتنقيب والفحص والبرهان، ويذمّ التقليد بلا بصيرة، ويدعو إلى العلم والتعلّم لا إلى الجهل والجهالة، وهذا بخلاف الشكّ والتشكيك والاسترابة الذي هو منهج سفسطي يتوخّونه ليقدّموا إلى الجحود وإنكار الحقائق بمجرّد الاضطراب النفسي والترديد مع أنّ كلّاً من الإنكار أو التسليم لا بدّ أن يبنى على الدلائل لا على مجرّد الحيرة والتردّد، وفي الحقيقة إنّ هذه الحالة حالة وقوف وجمود عن الفحص والتنقيب وإيقاف
[١] النساء ٤: ١٤٣.