رسالة فی الاجتهاد و التقلید - حسينى طهرانى، سید محمد محسن - الصفحة ٥٤٥ - الأقوال المختلفة في معني التقليد ومناقشتها
وفيه: أنّه خلط بين البيعة والتقليد؛ لأنّ البيعة هي هذا المعنى، وأمّا التقليد فقد عرفت أنّه عبارةٌ عن: جعل القلادة في العنق. ورُبَّما يُوسّع منطقته في الاستعمال فيستعمل: «قلّده السيف»؛ لأنّ السيف ليس قلادةً، ولا يُجعل على الرقبة أيضًا، بل يُجعل على الحمالة، لکن تشبيهًا للسيف بالقلادة والحمالة بالجعل على الرقبة، فيصحّ هذا الاستعمال. ورُبَّما يُوسّع منطقة استعماله أزيدَ من هذا المقدار أيضًا؛ فيستعمل التقليد في الأُمور الغير المحسوسة تشبيهًا لها بالمحسوسة، فيقال: قَلَّده الوزارة، وقَلَّده الخلافة، ومنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: قَلَّدَهَا عَلِيًّا، والمقام من هذا القبيل؛ لأنّ العامّي يجعل أعماله على رقبة المُفتي، والأعمال ليست بأُمور محسوسةٍ؛ لأنَّ المجعول في رقبته وِزرُها ومسؤوليّتُها.
وبالجملة، إنّ ما ذکرناه هو معنى التقليد، وقد عرفتَ أنّه في الاعتقاديّات عبارةٌ عن نفس الاعتقاد، وفي الأعمال عبارة عن نفس العمل، والتعابير الأخرى بقولهم: «إنّه عبارة عن الأخذ وقبول قول الغير وتوطين النفس» وغيره، إمّا غلطٌ، وإمّا تعبيرٌ بلوازم التقليد لا نفسه.
مناقشة صاحب «الکفاية» في معني التقليد
والمحصّل ممّا ذکرنا؛ هو أنّ التقليد عبارةٌ عن: العمل مستندًا إلى فتوى الفقيه، وهذا الاستناد هو حجّةُ العامِّي على المولى في مقام الاحتجاج، وبه يجعل أعماله على رقبة المُفتي.
هذا، ولکنّ صاحب «الکفاية» ـ قدّس سرّه ـ ذهب إلى أنّ التقليد عبارةٌ عن: مجرّد أخذ فتوى الفقيه، واستحال کونه عبارة عن: نفس العمل، حيث قال:
«ولا يخفى أنّه لا وجه لتفسيره بنفس العمل، ضرورة سبقه عليه، وإلاّ کان بلا تقليد، فافهم»[١].
[١]ـ کفاية الأصول، مباحث الاجتهاد و التقليد، فصل في التقليد، ص ٤٧٢.