رسالة فی الاجتهاد و التقلید - حسينى طهرانى، سید محمد محسن - الصفحة ٦٠٢ - إشکالات المرحوم العلاّمة على تقريب الاستصحاب المذکور (ت)
الثاني: عدم الشکّ في البقاء؛ لأنّ ارتفاع الحکم الواقعيّ لا يکون إلّا من جهة النسخ، فإذا ثبت حکم واقعيّ نقطع ببقائه ما لم يحتمل النسخ، ومن المعلوم عدم طريان النسخ في الأحکام الثابتة لشريعتنا إلى يوم القيمة، فعلى هذا لا يکون موت المجتهد موجبًا لاحتمال ارتفاع الحکم الواقعيّ الثابت بفتواه، فالعلم الحاصل بالحکم الواقعيّ الحاصل بفتوى المجتهد الذي جعل الشارع رأيه طريقًا إلى الواقع لا يزول أبدًا.
ولا يخفى أنّ الإشکال الثاني متين جّدًا، وأمّا الإشکال الأوّل فلا وجه له أصلًا.
الإشکالات الواردة على الرکن الأوّل للاستصحاب
إشکالات المرحوم العلاّمة على تقريب الاستصحاب المذکور (ت)
توضيح ذلک: إنّ قيام الطريق على الواقع، إنّما يُرفع اليد عنه إذا ثبت خطؤه في کشفه عن الواقع، وأمّا إذا لم يثبت ذلک فإنّ الحکم الواقعيّ الثابت به باقٍ لا محالة، ومن المعلوم أنّ الشارع جعل فتوى المجتهد طريقًا إلى الواقع، وطريقيّتها وإن لم يختصّ بزمان دون زمان ـ لأنّ الفتوى تکشف عن الحکم الواقعيّ على الإطلاق ـ إلّا أنّ القدر المتيقّن من حجّيتها إنّما هو في حال حياة المُفتي، فما دام المُفتي حيًّا کان الحکم الواقعيّ ثابتًا بفتواه لا محالة، فإذا مات المُفتي ارتفعت طريقيّة هذه الفتوى بالإضافة إلى ما بعد الموت، وأمّا طريقيتّها بالإضافة إلى زمان حياته فباقيةٌ دائمًا. فعلى هذا إنّا نقطع عند الاستصحاب بوجود الحکم الواقعيّ حال حياة المُفتي، ونشکّ في بقائه وارتفاعه؛ لأجل احتمال ارتفاع طريقيّة فتواه بالإضافة إلى ما بعد الموت، فنستصحب، فعلى هذا لا مجال[١] للإشکال الأوّل. وأمّا الإشکال الثاني فذکرنا أنّه متين
[١]ـ تعليقة المرحوم الوالد قدّ سرّه:
أقول: بل الأمر بالعکس، فالأقوي هو متانة الإشکال الأوّل دون الثاني؛ وذلک لأنّ الاستصحاب يُشترط فيه اليقين بالحدوث حال الاستصحاب، ومن المعلوم أنّ ثبوت الحکم الواقعي دائرٌ مدار زمان حجّية فتوي الفقيه، فإذا لم تکن فتواه السابق حجّةً في زمانٍ، لم تکشف ـ حينئذٍ ـ عن الحکم الواقعي ولو في الزمان السابق. وبعبارةٍ أخري: إنّه في زمان حياة المُفتي کانت فتواه حجّةً في هذا ï ï الزمان؛ لکشف فتواه شرعاً عن الحکم، وأمّا بعد موته، فلمّا زالت الحجّية، لم يکن لنا کاشفٌ ـ حينئذٍ ـ عن الحکم الواقعي ولو في حال حياته؛ ولذا نلتزم بعدم الإجزاء. فلو تبدّل رأي المجتهد أو مات وقلّد العامّي مجتهداً آخر، يجب عليه إعادة عباداته التي تکون باطلةً بمقتضي رأي المجتهد الثاني، ولا يکون هذا إلاّ من أجل عدم ثبوت الحکم الواقعي بعد موت المجتهد ولو في حال حياته. والمحصَّل ممّا ذکرنا: إنّ اليقين بالحکم الواقعي حال حياة المُفتي وإن کان موجوداً، إلاّ أنّ ثبوت الحکم الواقعي دائرٌ مدار بقاء الحجّة؛ فإذا زالت الحجّة، نکشف عن عدم ثبوت الحکم الواقعي من أوّل الأمر، ومن المعلوم أنّه يُعتبر في الاستصحاب اليقينُ بالحکم السابق حال الاستصحاب، وزمان الاستصحاب إنّما يکون بعد موت المجتهد، وفي هذا الزمان لا يکون لنا يقينٌ بالحکم الواقعي ولو في الجملة. وأمّا جهة عدم متانة الإشکال الثاني: فَلِما مرّ من أنّ شأن الاستصحاب ليس إلاّ جعل الملازمة بين الحدوث والبقاء، ومن المعلوم أنّا لانشکّ في بقاء الحکم الواقعي علي تقدير ثبوته لعدم احتمال النسخ، وإنّما الشکّ في الحدوث. (منه عُفي عنه)