رسالة فی الاجتهاد و التقلید - حسينى طهرانى، سید محمد محسن - الصفحة ٤٩٠ - إشکال على مبنى صاحب «الکفاية» المجتهد الانسدادي ليس عالمًا بالأحکام ما عدا الضروريّات و المسلّمات و القطعيّات
الحکم الشرعيّ الثابت عند الترافع. فالمجتهد لا بدّ وأن يحکم کما ذکرنا آنفًا على طبق هذا الحکم، فليس للحاکم أن يتفوّه بحکمٍ ما لم يقطع أو لم تقم عنده الحجّة على الحکم.
وأمّا ما ذکره صاحب «الکفاية» ـ قدّس سرّه ـ بقوله:
«وأمّا قوله ـ عليه السلام ـ في المقبولة: «فإذا حَکَمَ بحُکمِنا» ، فالمراد أنّ مثله إذا حکم کان بحکمهم حکم، حيث کان منصوبًا منهم... ، وصحّة إسناده حکمَهُ إليهم ـ عليهم السلام ـ إنّما هو لأجل کونه من المنصوب من قبلهم»[١].
فنظير صحّة إسناد البناء إلى الأمير في قولنا بنى الأمير المدينة؛ لمکان أنّه الآمر والمؤسّس للمدينة؛ وهو کما ترى.
لأنّ المراد بالباء في قوله عليه السلام: «حَکَمَ بِحُکمِنا» إمّا باء السببيّة، أو باء الآلة (نظير قولک: کتبتُ بالقلم)، وعلى کلا التقديرين؛ لا بدّ وأن يُحرز حکمٌ شرعيّ في موارد حکم الحاکم، حتّى يکون حکم الحاکم لدفع الخصومة بسبب هذا الحکم أو باستعانته. وهذا واضح لَعلّه لا يخفى على أحد ممن له فهم الکلام. ولَعَمري کيف اشتبه هذا على هذا المحقّق؛ فتَخيّل أنّ المقام من قبيل مقام الإسناد المجازي في قوله: «بنى الأمير المدينة»؟ حتّى يکون المراد من «فإذا حَکَمَ بِحُکْمِنَا»: فإذا حکمَ بحکمٍ أيّ حکم شاء، فلمّا کان هذا الحکم مأذونًا فيه من قِبَلِنا ومُمضًى عند الشرع کان هو الحکم الشرعي.
وبالجملة، إنّ صريح المقبولة في قوله عليه السلام: «فإذا حَکَمَ بِحُکمِنَا»، لا بدّ وأن يکون الحکم فيما إذا أحرز الحکم الشرعي، ثمّ أنشأ الحاکم حکمًا على طبقه، لا أنّه يُنشئ الحکمَ أَوّلًا، ثمّ بمقتضى إذن الشارع يصير هذا الحکم حکمًا شرعيًّا.
هذا کلّه بناء على الکشف والحکومة، وأمّا بناءً على التبعيض في الاحتياط فحکم المجتهد وتصدّيه لأُمور العامّة في غاية الإشکال.
[١]ـ المصدر السابق، ص ٤٦٧.