التفسیر الصافي ط - لبنان - الفيض الكاشاني، محسن - الصفحة ١٠٥ - مدنية كلها الا آية واحدة منها، وهي (واتقوا يوما ترجعون) الآية وهي مأتان وست وثمانون آية
ربهم أراد به الحق وإبانته والكشف عنه وإيضاحه.
أقول: يعني يعلمون أن المعتبر في المثل أن يكون على وفق الممثل له في الصغر والعظم والخسة والشرف ليبينه ويوضحه حتى يصير في صورة المشاهد المحسوس دون الممثل.
وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا أي شيء أراد به من جهة المثل يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا قيل هو جواب ماذا أي إضلال كثير بسبب إنكاره وهداية كثير من جهة قبوله فهو يجري مجرى البيان للجملتين المتقدمتين يعني أن كلا الفريقين موصوف بالكثرة ولسببيته لهما نسبا إليه.
وفي تفسير الامام ٧ يعني: يقول الذين كفروا لا معنى للمثل لأنه وإن نفع به من يهديه فهو يضر به من يضل به فرد الله عليهم قولهم فقال: وما يضل به إلا الفاسقين الخارجين عن دين الله الجانين على أنفسهم بترك تأمله وبوضعه على خلاف ما أمر الله بوضعه عليه.
[٢٧] الذين ينقضون عهد الله: المأخوذ عليهم لله بالربوبية ولمحمد ٦ بالنبوة ولعلي ٧ بالإمامة ولشيعتهما بالكرامة من بعد ميثاقه إحكامه وتغليظه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل من الارحام والقرابات أن يتعاهدوهم ويقضوا حقوقهم وأفضل رحم وأوجبهم حقا رحم محمد ٦ فان حقهم بمحمد ٦ كما أن حق قرابات الانسان بأبيه وامه ومحمد أعظم حقا من أبويه وكذلك حق رحمه أعظم وقطيعته أقطع وأفضح.
أقول: ويدخل في الآية التفريق بين الأنبياء والكتب في التصديق وترك موالاة المؤمنين وترك الجمعة والجماعات المفروضة وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطي شر فانه يقطع الوصلة بين الله وبين العبد التي هي المقصودة بالذات من كل وصل وفصل. ويفسدون في الارض بسبب قطع ما في وصله نظام العالم وصلاحه أولئك هم الخاسرون الذين خسروا أنفسهم بما صاروا إلى النيران وحرموا الجنان فيالها من خسارة ألزمتهم عذاب الأبد وحرمتهم نعيم الأبد.
[٢٨] كيف تكفرون بالله الخطاب لكفار قريش واليهود وكنتم أمواتا في أصلاب آبائكم وأرحام امهاتكم فاحياكم أجرى فيكم الروح وأخرجكم أحياء ثمّ يميتكم في هذه الدنيا ويقبركم ثم يحييكم في القبور وينعّم فيها المؤمنين ويعذب الكافرين ثمَّ إليه ترجعون في الآخرة بأن تموتوا في القبور بعد الاحياء ثم تحيوا للبعث يوم القيامة ترجعون إلى ما وعدكم من الثواب على الطاعات إن كنتم فاعليها ومن العقاب على المعاصي إن كنتم مقارفيها.
[٢٩] هو الذي خلق لكم ما في الا رض جميعا: قال أمير المؤمنين ٧ خلق لكم لتعتبروا به وتتوصلوا به إلى رضوانه وتتقوا من عذاب نيرانه ثم استوى [١] إلى السماء أخذ في خلقها واتقانها فسواهن وقيل عدلهن مصونة عن العوج والفتور والضمير مبهم يفسره ما بعده سبع سموات وهو بكل شيء عليم ولهذا خلق ما خلق كما خلق لصالحكم على حسب ما اقتضته الحكمة.
[٣٠] وإذ قال ربك للملائكةالذين كانوا في الأرض مع إبليس وقد طردوا عنها الجن بني الجان وخففت العبادة [٢].
والقمي عن الصادق ٧ إن إبليس كان بين الملائكة يعبد الله في السماء وكانت الملائكة تظنه منهم ولم يكن منهم وذلك ان الله خلق خلقا قبل آدم وكان إبليس حاكما فيهم فأفسدوا في الأرض وعتوا وسفكوا بغير حق فبعث الله عليهم الملائكة فقتلوهم وأسروا إبليس ورفعوه معهم إلى السماء فكان مع الملائكة يعبد الله إلى أن خلق الله آدم فلما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم وظهر ما كان من حسد إبليس له واستكباره علمت الملائكة أنه لم يكن منهم، وقال إنما دخل في الأمر لكونه منهم بالولاء ولم يكن من جنسهم.
[١] من قولهم استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصدا مستويا من غير أن يلوي على شيء. منه قدس سره.
[٢] يحتمل كون البناء للفاعل والعبادة مفعولا والضمير المستتر للجان بني الجان يعني قد طردهم الملائكة في حال إفسادهم في الأرض وتخفيفهم وتحقيرهم للعبادة وعدم اعتنائهم بها أو تقليلهم للعبادة بالنسبة إلى سابق الزمان وللمفعول والعبادة نائب الفاعل والفاعل الحقيقي ايضا الجن بني الجان بأحد المعنيين أو للمفعول ونائب الفاعل مستتر يرجع إلى الملائكة والعبادة منصوب على أنه مفعول ثان أي وقد خفف الله على الملائكة العبادة بالنسبة إلى عبادتهم في عالم الملكوت. منه قدس سره.