التفسیر الصافي ط - لبنان - الفيض الكاشاني، محسن - الصفحة ١٧٧ - مدنية كلها الا آية واحدة منها، وهي (واتقوا يوما ترجعون) الآية وهي مأتان وست وثمانون آية
كانت امرأة فتن بها هاروت وماروت.
وعنه عن أبيه في حديث قال: واما الزهرة فانها كانت امرأة تسمى ناهيل وهي التي تقول الناس انه افتتن بها هاروت وماروت.
أقول: في نسبة افتتانهما إلى قول الناس دليل على ما قلناه من انها من المرموزات، وأما حلها فلعل المراد بالملكين الروح والقلب فانهما من العالم الروحاني اهبطا إلى العالم الجسماني لاقامة الحق فافتتنا بزهرة الحياة الدنيا ووقعا في شبكة الشهوة فشربا خمر الغفلة وعبدا صنم الهواء وقتلا عقلهما الناصح لهما بمنع تغذيته بالعلم والتقوى ومحو اثر نصحه عن أنفسهما وتهيئا للزنا ببغي الدنيا الدنية التي تلي تربية النشاط والطرب فيها الكوكب المسمى بزهرة فهربت الدنيا منهما وفاتتهما لما كان من عادتها أن تهرب من طالبيها لأنها متاع الغرور وبقي اشراق حسنها في موضع مرتفع بحيث لا تنالها ايدي طلابها مادامت الزهرة باقية في السماء وحملهما حبها في قلبهما إلى أن وضعا طرائق من السحر وهو ما لطف مأخذه وذق فخيرا للتخلص منها فاختارا بعد التنبه وعود العقل إليهما اهون العذابين ثم رفعا إلى البرزخ معذبين ورأسهما بعد إلى اسفل إلى يوم القيامة هذا ما خطر بالبال في حل هذا الرمز وأما حل بقية اجزائه التي في رواية ابي الطفيل فموكول إلى بصيرة ذوي البصائر وقيل بل هو إشارة إلى أن الشخص العالم الكامل المقرب من حظائر القدس قد يوكل إلى نفسه الغرارة ولا يلحقه العناية والتوفيق فينبد علمه وراء ظهره ويقبل على مشتهياته الحسية الخسيسة ويطوي كشحه عن اللذات الحقيقية والمراتب العلية فينحط إلى أسفل السافلين والشخص الناقص الجاهل المنغمس في الأوزار قد يختلط بذلك الشخص العالم قاصدا بذلك الفساد والفحشاء فيدركه توفيق إلهي فيستفيد من ذلك العالم ما يضرب بسببه صفحا عن ادناس دار الغرور وارجاس عالم الزور ويرتفع ببركة ما تعلمه عن حضيض الجهل والخسران إلى أوج العز والعرفان فيصير المتعلم في أرفع درج العلاء والمعلم في أسفل درك الشقاء.
أقول: هذا الحل غير منطبق على الرمز بتمام أجزائه.
[١٠٤] يا أيها الذين آمنوا العياشي عن أمير المؤمنين ٧ والسجاد ليس في القرآن يا ايها الذين آمنوا الا وهي في التوراة يا أيها المساكين لا تقولوا [١] راعنا راع أحوالنا وراغبنا وتأن بنا فيما تلقننا حتى نفهمه وذلك لأن اليهود لما سمعوا المسلمين يخاطبون رسول الله ٦ بقولهم راعنا وكان راعنا في لغتهم سبا بمعنى اسمع لا سمعت قال بعضهم لبعض لو كنا نشتم محمدا ٦ إلى الآن سرا فتعالوا الآن نشتمه جهرا فكانوا يقولون له راعنا يريدون شتمه ففطن لذلك سعد بن معاذ الأنصاري فلعنهم وأوعدهم بضرب أعناقهم لو سمعها منهم فنزلت وقولوا انظرنا انظر إلينا واسمعوا إذا قال لكم رسول الله ٦ قولا وأطيعوا وللكافرين الشاتمين عذاب أليم.
[١٠٥] مايَوُدُّ الذين كفروا من أهل الكتب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم آية بينة وحجة معجزة لنبوة محمد ٦ وشرفه وشرف أهل بيته والله يختص برحمته توفيقه لدين الاسلام وموالاة محمد ٦ وعلي ٧ من يشاء، وفي المجمع عن أمير المؤمنين والباقر ٨ يعني بنبوته والله ذو الفضل العظيم يعني على من وفقه لدينه وموالاتهما.
أقول: أو يختاره لنبوته أو ما يشملهما وغيرهما.
[١٠٦] ما ننسخ من آية بأن نرفع حكمها، وقرأ بعضهم بضم النون وكسر السين أو ننسها بأن نرفع رسمها ونبلي عن القلوب حفظها وعن قلبك يا محمد كما قال: سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله أن ينسيك فرفع عن قلبك ذكره وقرئ ننساها بفتح النون واثبات الألف نأت بخير منها بما هو أعظم لثوابكم واجل لصلاحكم أو مثلها من الصلاح يعني إنا لا ننسخ ولا نبدل الا وغرضنا في ذلك مصالحكم.
[١] قوله تعالى لا تقولوا راعنا كان المسلمون يقولون يارسول الله راعنا أي استمع منا فحرفت اليهود هذه اللفظة فقالوا يا محمد راعنا وهم ملحدون الى الرعونة يريدون به النقيصة والوقيعة فلما عوتبوا قالوا نقول كما يقول المسلمون فنى الله عن ذلك بقوله ولا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا وقال قتادة إنها كلمة تقولها اليهود على وجه الاستهزاء، وقال عطا هي كلمة كانت الانصار تقولها في الجاهلية فنهوا عنها في الإسلام، وقال السدي كان ذلك كلام يهودي بعينه يقال له رفاعة بن زيد يريد بذلك الرعونة فنهي المسلمون عن ذلك " مجمع ".