رحلة ابن معصوم المدني أو سلوة الغريب وأسوة الأريب - السيد علي صدر الدين المدني - الصفحة ٢٦ - رحلة سلوة الغريب وأسوة الأريب
وقال آخر [١] :
| سأضرب في بطون الأرض ضربا | وأركب في العلى غرر اللّيالي [٢] | |
| فأمّا والثّرى وأقمت عذرا | وأمّا والثريّا والمعالي [٣] |
وليكن هذا آخر المقدمة وفيه كفاية لمن لحظته العناية. وأما أنا فأقول : إذ كنت في غنى عن هذا المنقول :
| لقد ظلمتني واستطالت يد النّوى | وقد طمعت في جانبي أيّ مطمع | |
| إلى كم أقاسي فرقة بعد فرقة | وحتى متى يا بين أنت معي معي |
وكان السبب في تجرّع مرارات النوى ، وتحمّل حرارات الجوى ، وفراق الأهل والوطن ، والبعد عن السوح المحترم والحرم المؤتمن ، أن قضى الله على الوالد بفراقه لتلك المواطن واغترابه عن هاتيك المنازل والمعاطن ، مدعوّا إلى الدكن من الديار الهنديّة ، مجلوّا على السكن في ظلالها النديّة ، ففارقنا والحال حويلة ، والبحر دجيلة ، والفصال لم يبلغ حدّه ، والوصال قد ثلم البين حدّه ، وذلك عام أربعة وخمسين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام والتحيّة.
وكان قد استدعاه إلى تلك الديار مليكها الأعظم ومالكها السلطان المعظّم ، الملك الذي انعقدت كلمة الإجماع على شوكة سلطانه ، وتلت الخلائق سور عدله وإحسانه ، وأصبحت الأملاك خاضعة لدولته وعزّة شأنه ، مستسلمة لأقضية صولته ، وأحكام سيفه وسنانه ، ذو الصفات التي أشرق بها بدر الملك وشمس الخلافة ، والحكم الذي جرى القضاء على طبقه فلم يستطع أحد خلافه. والهمم التي أضحت الأماني دون منتهاها صرعى ، ورجعت
[١] الشعر لأبي منصور الخوافي (عبد الله بن سعد) المتوفى سنة ٤٨٠ ه (نزهة الألباء / ٣٦٠).
[٢] في نزهة الألباء (سآخذ في متون الأرض) و (عبر الليالي).
[٣] في نزهة الألباء (وبسطت عذري). وفي ك (فاما للثرى) و (امّا للثريّا) وفي أ(والهلال) مكان (والمعالي).