رحلة ابن معصوم المدني أو سلوة الغريب وأسوة الأريب - السيد علي صدر الدين المدني - الصفحة ٣٩ - رحلة سلوة الغريب وأسوة الأريب
| أن يفترق شملنا وشيكا | من بعد ما كان ذا اجتماع | |
| فكلّ شمل إلى افتراق | وكلّ شعب إلى انصداع | |
| وكلّ قرب إلى بعاد | وكلّ وصل إلى انقطاع |
وفي المنزل المذكور وقع بين بعض الخدم والمكارين كلام أفضى بهم إلى جراح وكلام ، فعطب من المكارين رجلان وكانوا نحوا من خمسين نفسا ، فاستجاشوا [١] من حولهم من العرب ، وأعولت الحرب بيننا وبينهم بالحرب ، فانتدب لهم من الترك كلّ غلام لا يعرف إلّا جاره ، والعرب تخالهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة ، فتفلّقت من الفريقين رؤوس وهام ، بعصيّ وحجارة أغنت السيوف والسهام ، وآلت الحال إلى قول من قال :
| عصيّ مكلّلة بالرؤوس | ورؤوس مكلّلة بالعصي |
حتى حال بينهم الليل ، فضعف منهم الحيل ، وقد قال بعض الحكماء : من الخصال المذمومة في السفر سوء عشرة المكارين ، وملاقاة الهوان من العشّارين ، وعلى ذلك حدّث أبو بكر محمد بن المظفّر الساماني قال : ضجرت في بعض أسفاري من غلام لي استقصرته في خدمتي ، وحضرني جرير الطبيب [٢] فأنشدني :
| أكرم رفيقك حتى ينقضي السّفر | إنّ الذي أنت موليه سينتشر | |
| ولا تكن كلئام أظهروا ضجرا | إنّ اللّئام إذا ما سافروا ضجروا |
ويروى أنّ عمر بن الخطاب قال لرجل زكّى عنده رجلا ليقبل شهادته : هل صحبته في السفر الذي يستدلّ به على مكارم الأخلاق؟ فقال : لا ، فقال : ما أراك تعرفه.
وبالجملة فحسن الصحبة ، ومكارم الأخلاق عموما ، وفي السفر خصوصا من الأمور المحضوض عليها شرعا وعرفا وبالله التوفيق.
[١] استجاش فلان فلانا : استثاره وطلب منه جيشا ومددا.
[٢] في ك (جرير الخطيب).