رحلة ابن معصوم المدني أو سلوة الغريب وأسوة الأريب - السيد علي صدر الدين المدني - الصفحة ١٢٢ - رحلة سلوة الغريب وأسوة الأريب
وما أحسن قوله بعد هذا البيت :
| ومقلة ألفت فرط السّهاد فلو | ردّ الرقاد عليها كاد يؤذيها | |
| ماذا على الطّير إذ أبلى الضّنى جسدي | فخفّ لو حملتني في خوافيها | |
| إن يقعد الطّير عن حملي لكم وسرت | ريح الصّبا فاطلبوني في مساريها | |
| تلقي لكم جسدا لو أنّ علّته | يدعى المسيح لها ما كان يبريها | |
| لقد تضاءل حتّى لو قذفت به | في مقلة ما أحسّته مآقيها |
قلت : هذا والله الشعر الخالص من الحشو ، الذي يأخذ بمجامع القلوب ، وتستشفّه الأسماع [١]. وكانت وفاة الشاعر المذكور سنة ثمان وعشرين وألف بشيراز ، وله ديوان شعر أجاد فيه كلّ الإجادة ، وكان ذا بديهة قوية بارعا مفلقا ، مستحضرا لأشعار العرب وأخبارها.
ومن بديع قصائده التي تشهد له بقوة الملكة ، وقدرة التصرّف في المعاني والألفاظ : قصيدته الرائية المشهورة التي يصف فيها حاله وقد ضربته سمكة تعرف بالسبيطيّة في وجهه فشجته وهو عابر من قرية تسمى (مرّي) ـ بكسر الميم ، وتشديد الراء المهملة ، وبعدها ياء مثناة من تحت ـ إلى بحرين يقال لأحدهما (البلاد) ، وللآخر (توبلي) ـ بضم التاء المثناة من فوق ، وبعد الواو باء موحدة مكسورة ، وبعدها لام وياء مثنّاة من تحت ـ وكان صحبته ابنه حسان ، ولا بأس بإيرادها لحسنها وغرابتها ، على انّا لم نخرج عن ذكر البحر ، وهي :
| برغم العوالي والمهنّدة البتر | دماء أراقتها سبيطيّة البحر | |
| ألا قد جنى بحر البلاد وتوبلي | عليّ بما ضاقت به ساحة البرّ | |
| فويل بني شنّ بن أفصى وما الذي | رمتهم به أيدي الحوادث من وتر [٢] | |
| دم لم يرق من عهد نوح ولا جرى | على حدّ ناب للعدوّ ولا ظفر |
[١] يأتي في (ك) بعد كلمة الأسماع (وتحسوه العقول للنشو).
[٢] بنو شن بن أفصى بن عبد القيس : قبيلة الشاعر.