رحلة ابن معصوم المدني أو سلوة الغريب وأسوة الأريب - السيد علي صدر الدين المدني - الصفحة ٥٨ - رحلة سلوة الغريب وأسوة الأريب
فضلاء العصر حيث يقول :
| إنّ الدّراهم مرهم | قد جاء في تصحيفها | |
| فدع التطيّر قائلا | الهمّ بعض حروفها |
ثم سرنا ليالي وأياما نلاطم تلك الأمواج لطاما حتى وافينا جزيرة (كمران) ـ بفتح الأحرف الثلاثة ـ [١] وهي جزيرة محيط بها البحر ، إلّا أن ماءها في غاية العذوبة ، وبها مسجد عظيم ، وأشجار وفواكه ، وإليها ينسب الملح الكمراني الذي لا يوجد مثله في غيرها ، وهو لا يستعمل إلّا دواء لشدّة ملوحته ، ينفع لأمراض كثيرة ، ولا يدانيه شيء من أقسام الملح في نقاوته وصلابته. وفيها مدفن الشيخ الكبير الشهير محمد بن (عبد ربّه) [٢] المشهور بالورع والزهد ، وضريحه بها من المزارات المشهورة. قال اليافعي : تفقه على الشيخ أبي اسحاق الشيرازي في بغداد بكتاب المهذب ، وهو أوّل من دخل به إلى اليمن. وقال ابن سمرة : كانت النواخيذ [٣] وأهل الجلالات يأتون للسلام عليه ، ويقبلون رأسه وهو قاعد ، وكان كثير الزهد والورع متحرّيا في المطعم ، لا يأكل إلّا الأرز من بلاد الهند ، وكان عبيده يسافرون إلى الحبشة والهند ومكة للتجارة ، فحصلت له أموال ، فكان ينفق على الطلبة منها. وله تصنيف في أصول الفقه سمّاه الإرشاد ، وارتحل إليه خلائق من فقهاء اليمن من بلدان شتى لعلمه وجوده. وكان له ولد عالم بعلم الكلام والأصول ، مع تبريز في الفقه يسمى عبد الله تفقّه بأبيه ومات قبله في سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة ، ودفن بالجزيرة المذكورة ، فرثاه بعض فقهاء اليمن بقصيدة طويلة يقول في بعضها :
| أمن بعد عبد الله نجل محمّد | يصون دموع العين من كان مسلما |
[١] جزيرة كمران : باليمن قبالة زبيد.
[٢] (عبد ربه) كذا ورد في الأصول ، وفي مرآة الجنان لليافعي ٣ / ٢٤٢ (عبدويه).
[٣] النواخيذ ، والنواخذة جمع الناخذاة ، أي صاحب السفينة (فارسي معرب). في مرآة الجنان (كانت أهل التوحيد) مكان (كانت النواخيذ).