رحلة ابن معصوم المدني أو سلوة الغريب وأسوة الأريب - السيد علي صدر الدين المدني - الصفحة ٥٩ - رحلة سلوة الغريب وأسوة الأريب
| وقد غاض بحر العلم مذ غاب شخصه | ولكنّ بحر الوجد من بعده طما |
قال اليافعي : وكان الشيخ المذكور قد ابتلي بذهاب البصر ، فقال عند ذلك مخاطبا نفسه :
| وقالوا قد دهى عينيك سوء | فلو عالجته بالقدح زالا | |
| فقلت الربّ مختبري بهذا | فإن أصبر أنل منه الجلالا [١] | |
| وإن أجزع حرمت الأجر منه | وكان خصيصتي منه الوبالا | |
| وإنّي صابر راض شكور | ولست مغيّرا ما قد أنالا | |
| صنيع مليكنا حسن جميل | وليس لصنعه شيء مثالا | |
| وربّي غير متّصف بحيف | تعالى ربّنا عن ذا تعالى |
وتوفي سنة خمس وعشرين وخمسمائة عن ثمان وثمانين سنة ، ودفن بجنب ولده ، وقبراهما هنالك بجنب المسجد يزورهما الصالحون وغيرهم ، والله أعلم.
ولم نقم في هذه الجزيرة إلّا نصف نهار حتى عدنا إلى اقتحام التيار واستلام ذلك الفلك السيّار. فسرنا والبحر المديد دائرته مختلفة ، ولم نر مع وافر دوائره دائرة مؤتلفة ، والسفينة قد اشتملت بشراعها الصماء ، وتشاممت [٢] وهي كما قيل : أنف في السماء وأست في الماء ، فلم نزل كذلك حتى جئنا (بندر الحديدة) ، وقد أبدى فينا السأم أيده ، فألفيناها عامرة بالخيرات ، غامرة بالميرات ، وفيها من أنواع الرطب ما يلهي عن استماع الخطب ، ومن أقسام النّوار ما يسلّي الفرزدق عن النّوار ، فعلمنا أنّ تصغيرها ليس للتحقير ، بل يعذب اسم الشيء بالتصغير ، فأقمنا بها ثلاثة أيام حتى قضينا منها المرام.
ثم أقلعنا منها للمسير مستبشرين بأن لم يبق من التّعب إلّا اليسير ، وإن
[١] في ك (النوالا) مكان (الجلالا) والمثبت موافق لرواية اليافعي.
[٢] يقال : اشتمل الصمّاء ، إذا جلّل جسده كلّه بالكساء. تشاممت : تظاهرت بالشمم ، أي الارتفاع.