رحلة ابن معصوم المدني أو سلوة الغريب وأسوة الأريب - السيد علي صدر الدين المدني - الصفحة ١٤ - مقدّمة المؤلف
مطالعه. حتى سئمت الفضائل أهلها ، وحمد من الأراذل جهلها ، فشكا كلّ أديب من دهره ، وبكى كلّ أريب من رعاع عصره.
| هذا زمان ليس فيه | سوى النّذالة والجهاله | |
| لم يرق فيه صاعد | إلّا وسلّمه النّذاله |
ثم هذا ليس إشارة إلى هذا الزمن العديم ، بل العلّة عاديّة ، والبلاء قديم حتى قيل : ما فسد الناس ، وإنّما اطّرد القياس ، ولا اظلمّت الأيّام وإنّما امتدّ الظلام ، وهل يفسد الشيء إلّا عن صلاح ، ويمسي المرء إلّا عن إصباح ، وقديما ما بثّت الأفاضل خطوب الدهر ونكوب الزمن ، ونثت [١] من أهوال أحوالها بخس الحظ ووكس الثمن ، وكم جدّت بجدودها العواثر في هذه الدنيا لنيل العلياء ، فضربت شرقا وغربا ، وأوغلت بعدا وقربا ، فلم تحصل على طائل ، وما أشبه الأواخر بالأوائل.
| وإذا السّعي لم يلاحظ بسعد | فالتماس المنى من الحرمان [٢] |
وهيهات مع شرف العلم عزّ المال ، ومع حرفة الأدب بلوغ الآمال ، ولا سيما من انتمى إلى بيت النبوّة ، وارتدى مع ذلك رداء صيت الفتوّة ، فإنّ الدهر أشدّ حقدا عليه ، وأسرع نهدا إليه.
| نحن بني المصطفى ذوو محن | يجرعها في الحياة كاظمنا | |
| عجيبة في الأنام محنتنا | أوّلنا مبتلى وخاتمنا [٣] |
هذا وإنّي منذ كبر عن الطوق عمري [٤] ، وارتفع عن منافثة الأتراب عمري ، لم أزل أصابح وأماسي ما يهدّ أيسره الرواسي ، وأكابد وأقاسي ما يليّن أهونه القواسي. أسوق من دهر قصصا ، وأسيغ من غمر غصصا.
[١] نثت : حدّثت وأذاعت.
[٢] في ك ، وأ (فالتماس المنى به حرمان).
[٣] الشعر للخليفة الفاطمي العزيز بالله نزار بن معد المتوفى سنة ٣٨٦ ه (أنوار الربيع ٤ / ٩١). في ك (في الأنام) مكان (في الحياة).
[٤] إشارة إلى المثل القائل (شبّ عمرو عن الطوق).