رحلة ابن معصوم المدني أو سلوة الغريب وأسوة الأريب - السيد علي صدر الدين المدني - الصفحة ٢٨٨ - ذكر نسب المولى المذكور
| لقد أمست الأرحام منّا على شفا | فأخلق بمشف لا يعلّل أن يقضي | |
| على غصص لو كنّ في البدر لم ينر | وفي العود لم يورق وفي العضب لم يمض [١] |
وجملة الحال الآن كما قال الصلاح الصفدي (*) :
| لزمت بيتي مثل ما قيل لي | ولم أعاند حادث الدّهر | |
| وليس لي درع يردّ الرّدى | أستغفر الله سوى صبري | |
| علما بأن البؤس رهن الرّخا | وغاية العسر إلى اليسر | |
| وقد يسلّ السيف من غمده | ويخرج الدرّ من البحر | |
| وتبرز الصّهباء من دنّها | ويرجع النّور إلى البدر |
والحكاية المشار إليها هي هذه :
حدّث بعضهم قال : كنت بالشام متصرّفا في بعض أعمال السلطان فلم تنبسط يدي لأداء ما لزمني من المال ، فأدخلت في الحبس ـ حبس الجرائم ـ فرأيت ساعة حصلت فيه من عظيم بلاء أهله ، وقبح صورهم ، وموحش أمرهم ، وما كانوا عليه من وسخ الثياب ونتن الروائح ما حبّب إليّ الموت ، وصارت بليتي بواحدة عشرا ، واندفعت أبكي وأنتحب وأدعو وأتململ. فأقبل عليّ أهل السجن وقالوا : ما لك تبكي؟ أما لك بنا أسوة وفينا سلوة؟. فلم يكن قولي إلّا أن قلت : اعذروني فإنني ما ألفت الشقاء وبؤس المعيشة ، ورزاحة الحال وسوء المسكن. فقالوا : ولا كلّنا أهل بلاء وشقاء ، وفينا ضروب من المترفين المنعّمين ، وفينا من ظلمه خمارويه بن طولون [٢] على غير حقّ ليقتلنا ، وعساك حبست على مال ، وأخذت بواجب. ثم انّ في هذا الحبس واحدا من أولاد الأمراء لم نر أنبل منه ولا أجلّ ولا أرفع محلا ، ولا أسوء ـ
[١] في الديوان (وفي السهم لم يمض).
[٢] هو خمارويه بن أحمد بن طولون من ملوك الدولة الطولونية. قتل سنة ٢٨٢ ه (الأعلام ٢ / ٣٧٠).