رحلة ابن معصوم المدني أو سلوة الغريب وأسوة الأريب - السيد علي صدر الدين المدني - الصفحة ٣٨ - رحلة سلوة الغريب وأسوة الأريب
| أكابد همّا كاللّيالي وحسرة | ودمعا غزير المستقى غائر المجرى | |
| وأدعو إلى السّلوان قلبا جوابه | لداعيه مهراق من المقلة العبرى | |
| وما عذر مطروح بمكّة رحله | على غير بؤس لا يجوع ولا يعرى | |
| ويرحل عنها يبتغي عوضا بها | وحقّك لا عذرا وربّك لا عذرا |
فسلكنا طريق اليمن الميمون ، متوجهين نحو ذلك القطر المأمون ، وسرينا نقتحم مهامه وقفارا ، ولا نملك للدموع كفافا ولا للقلوب نفارا ، نجوب جيوب تلك الليلة الدهماء ، ونخبط خبط عشواء في تلك الفلاة الهيماء ، إلى أن أسفر الصباح ، فنزلنا بحمى هنالك مباح ، يقال له (البيضاء) ، قد نشر من محله راية سوداء كأنّه لم ينبت قطّ نجمة خضراء [١] فقلنا فيه ذلك اليوم ، وهيهات أن يجنح طرف إلى نوم. وفي هذا المنزل أقول :
| ولقد حللت من المنازل واديا | محل الجوانب اسمه البيضاء | |
| فرحلت عنه وقلت للرّكب ارحلوا | عنه عليه الرّاية السّوداء |
فارتحلنا منه إلى (السعديّة) ، وتبوّأنا ظلالها وإن كانت غير نديّة ، وهي ميقات اليمن بحذاء (يلملم) وهو ميقاتهم الذي وقّته لهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلّم ، ومنها فارقنا المشيّعون ، وأخذوا يودّعون ، ويودعون القلوب من الوجد ما يودعون ، فعمّ الغمّ وشمل ، وانقرف [٢] جرح لم يكن اندمل. وما أحسن قول محمد بن [الحسن بن] عبد الله الزبيدي [٣] من أبيات :
| ما خلق الله من عذاب | أشدّ من وقفة الوداع | |
| ما بينها والحمام فرق | لولا المناجاة والنّواعي [٤] |
[١] النجمة ، واحدة النجم : ما نجم من النبات على غير ساق ، وهو خلاف الشجر.
[٢] انقرف الجرح : انقشر بعد أن يبس.
[٣] توفي محمد بن الحسن الزبيدي سنة ٣٧٩ ه (معجم المؤلفين ٩ / ١٩٨).
[٤] (المناجاة) كذا ورد في الأصول وهي رواية وفيات الأعيان ٤ / ٨ والوافي بالوفيات ٢ / ٣٥١ ، وجاء في معجم الأدباء ١٨ / ١٧٩ وبغية الملتمس / ٥٦ وجذوة المقتبس / ٤٣ (المناحات).