رحلة ابن خلدون - محمّد بن تاويت الطنجي - الصفحة ٤٢١ - ابن خلدون والجغرافيا في المغرب في القرنين ١٥ ، ١٦
الخامس عشر عرفته الشام أيضا ، فقد كان في معيّة السلطان فرج عام ٨٠٣ ه ١٤٠٠ عند خروجه لصدّ التتار ، وكان بدمشق حين حاصرها تيمور لنك ؛ وقد أخذ ابن خلدون طرفا في الوفد الذي خرج للتفاوض في تسليم المدينة ، وأغلب الظنّ أنّ قصّة مقابلته لتيمور وحديثه معه ، تلك القصّة التي يرويها بين عدد من المؤرّخين ابن عربشاه أيضا ، قد أخذت نصيبها من المبالغة والتزويق ، ولو أن ذلك لا ينفي إمكان حدوثها. وقد أذن له تيمور في الرجوع إلى مصر في مارس من عام ٨٠٣ ه ١٤٠٢ م فأمضى الأعوام الأخيرة من حياته بالقاهرة ، تارة يقال من منصبه كقاض وطورا يعاد إليه ؛ وأمام هذه اللوحة المتعدّدة الألوان لسيرة حياته لم يكن غريبا أن تحمل بعض مخطوطات ترجمته لسيرة حياته (Autobiography) عنوان «رحلة ابن خلدون في الغرب والمشرق» [١]. وعلى الرغم من هذا فإنّ الكتاب في الحقيقة لا يمثّل مصنّفا جغرافيا من نمط الرحلة المعروف لنا جيدا ، بل هو ترجمة لسيرة حياته بقلمه بكلّ ما يحمل هذا اللفظ من معنى ؛ وفيها يعرض ابن خلدون لجميع تنقّلاته ، والحوادث التي مرّت به ، دون أن يحاول إظهار شخصيّته في ضوء ملائم لها ، مما يشهد له حقّا بالأمانة وشرف الضمير. وقد عرفت هذه السيرة من وقت طويل في أوروبا بفضل ترجمة دي سلين De Slane ؛ وهي توجد في معظم الأحوال ملحقة بمصنّفه
التاريخي ، وتساق في جميع المخطوطات تقريبا إلى عام ٦٩٧ ه ١٣٩٤ ، وهذا التاريخ يتّفق مع فترة انقطاعه بالفيّوم. غير أن طه حسين تمكّن من الرجوع إلى مخطوطة موجودة بالقاهرة تسوق العرض إلى عام ٨٠٧ ه ١٤٠٤ أي إلى العام السابق لعام وفاة ابن خلدون [٢].
[١] تحمل الطبعة المصرية لهذا الكتاب (١٩٥١) عنوانا مغايرا هو «التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا». (المترجم).
[٢] تناول ابن خلدون النسخة الأولى بالتعديل والتنقيح والزيادة ، وأضاف إليها تاريخ حياته إلى نهاية ٧٠٨ ه ، أي إلى ما قبل وفاته ببضعة أشهر. وقد حفظت لنا من هذه الرواية الأخيرة مخطوطتان قيمتان بمكتبات استنبول ، ومنهما تفرّعت نسخة دار الكتب المصرية التي يشير إليها المؤلف ، وهي التي طبعت مؤخرا بالقاهرة كما أشرنا في الملاحظة السابقة لهذه. (المترجم).