رحلة ابن خلدون - محمّد بن تاويت الطنجي - الصفحة ٢٤٧ - فصل رسالة إلى سلطان تونس
والله ـ عزوجل ـ يتولّى عنّا من شكركم المحتوم ، ما قصّر المكتوب منه عن المكتوم ، ويبقيكم لإقامة الرّسوم ، ويحلّ محبّتكم من القلوب محلّ الأرواح من الجسوم ، وهو سبحانه يصل سعدكم ، ويحرس مجدكم ، ويوالي نعمه عندكم.
والسلام الكريم ، الطيّب الزكي المبارك البرّ العميم ، يخصّكم كثيرا أثيرا ، ما أطلع الصّبح وجها منيرا ، بعد أن أرسل النّسيم سفيرا ، وكان الوميض [١] الباسم لأكواس الغمائم ، [٢] على أزهار الكمائم ، [٣] مديرا ؛ ورحمة الله وبركاته.
وكتب إليّ يهنّئني بمولود ، ويعاتب على تأخير الخبر بولاده عنه [٤] :
| هنيئا أبا الفضل الرضا وأبا زيد | وأمّنت من بغي يخاف ومن كيد | |
| بطالع يمن طال في السعد شأوه [٥] | فما هو من عمرو الرّجال ولا زيد | |
| وقيّد بشكر الله أنعمه التي | أوابدها [٦] تأبى سوى الشكر من قيد |
أهلا بدرّيّ المكاتب ، [٧] وصدريّ المراتب ، وعتبى الزّمن [٨] العاتب [٩]
[١] الوميض : اللامع من البرق لمعا خفيا.
[٢] شبه القطرات من الماء تنثرها الغمائم على الزهور ، بكؤوس الخمر تدار على الشاربين.
[٣] الكمائم : جمع كمامة ، وهي غطاء النّور وبرعومته.
[٤] قدم لها ابن الخطيب في ريحانة الكتاب (ورقة ١٨٢ أمن ٨٥ ش أدب) بقوله : ومن ذلك في مخاطبة صاحب قلم الإنشاء أبي زيد ابن خلدون.
[٥] الشأو : الشوط والغاية.
[٦] جمع آبدة ، وهي في الأصل البهيمة توحشت ، ونفرت من الأنس.
[٧] كوكب دري : ثاقب شديد الإنارة ، عظيم المقدار.
[٨] أعتبه : أزال عتبه ؛ والعتبى : اسم من الإعتاب. وفي المثل : «لك العتبى ولا أعود». أي لك مني أن أرضيك ؛ يقوله التائب المعتذر. وانظر مجمع الأمثال ٢ / ١٠٢.
[٩] الزمن العاتب : الغاضب.