رحلة ابن خلدون - محمّد بن تاويت الطنجي - الصفحة ٢٤٣ - فصل رسالة إلى سلطان تونس
الوطن على الوطر ، فرأينا أن نروضها بالاجتثاث [١] والانتساف ، [٢] ونوالي على زروعها وربوعها كرات رياح الاعتساف ، حتى يتهيّأ للإسلام لوك طعمتها ، ويتهنّا بفضل الله إرث نعمتها ، ثم كانت من موقفها الإفاضة [٣] من بعد نحر النحور ، وقذف جمار الدمار على العدو المدحور ، وتدافعت خلفنا السّيّقات [٤] المتّسقات تدافع أمواج البحور.
وبعد أن ألححنا على جنّاتها المصحرة ، [٥] وكرومها المستبحرة إلحاح الغريم ، [٦] وعوّضناها المنظر الكريه من المنظر الكريم ، وطاف عليها طائف من ربّنا فأصبحت كالصّريم ، [٧] وأغرينا حلاق [٨] النّار بجمم الجميم ، [٩] وراكمنا في أحواف أجرافها [١٠] غمائم الدخان ، يذكر طيبه البان بيوم الغميم ، [١١] وأرسلنا رياح الغارات (ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) ، [١٢] واستقبلنا
[١] الاجتثاث : انتزاع الشجر من أصوله.
[٢] انتساف الزرع : اقتلاعه.
[٣] الإفاضة : الدفع في السير بكثرة ؛ ولا يكون إلا عن تفرق جمع. وفي «الإفاضة» و «النحر» ، و «رمي الجمار» تورية واضحة بالمعاني الإسلامية المتعارفة في باب «الحج».
[٤] السيقات : ما استاقه العدو من الدواب ، ويقال لما سيق من النهب فطرد ، سيقة.
[٥] المتسعة ؛ يقال أصحر المكان : أي اتسع.
[٦] الغريم : الذي له الدّين.
[٧] الصريم : الليل ، وأصبحت كالصريم : احترقت وصارت في مثل سواده ؛ والإشارة إلى الآية (فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ).
[٨] حلاق الشعر : إزالته الموسى. والكلام على تشبيه إحراق النبات بحلق شعر الرأس.
[٩] الجمم : جمع جمة ؛ وهي الشعر الكثير. والجميم نبت يطول حتى يصير مثل جمة الشعر.
[١٠] الأحواف ، جمع حوف وهو الناحية. والأجراف جمع جرف ؛ وهو ما أكل السيل من أسفل شق الوادي ، وعرض الجبل. ويريد الأمكنة الغائرة ، والمطمئنة.
[١١] الغميم : موضع بين مكة والمدينة. ويوم الغميم : من الأيام التي كانت بين كنانة وخزاعة وانظر سيرة ابن هشام ٤ / ٣٤ ـ ٣٥.
[١٢] الرميم : البالي. الآية (٤٢) من سورة الذاريات.