رحلة ابن خلدون - محمّد بن تاويت الطنجي - الصفحة ١٨٠ - مشايعة السلطان عبد العزيز صاحب المغرب
بقبوله. وأجاز البحر من حينه إلى سبتة ، وسار إلى السّلطان بتلمسان ، وقدم عليهما في يوم مشهود ، وتلقّاه السّلطان من الحظوة والتقريب وإدرار النّعم بما لا يعهد مثله. وكتب إليّ من تلمسان يعرّفني بخبره ، ويلمّ ببعض العتاب على ما بلغه من حديثي الأول بالأندلس. ولم يحضرني الآن كتابه ، فكان جوابي عنه ما نصّه :
الحمد لله ولا قوّة إلا بالله ، ولا رادّ لما قضاه الله.
يا سيدي ونعم الذّخر الأبدي ، والعروة الوثقى التي اعتلقتها يدي ، [١] أسلم عليكم سلام القدوم ، على المخدوم ، والخضوع ، للملك المتبوع ، لا بل أحيّيكم تحية المشوق ، للمعشوق ، والمدلج ، [٢] للصباح المتبلّج ، [٣] وأقرّر ما أنتم أعلم بصحيح عقدي في من حبّي لكم ، ومعرفتي بمقداركم ، وذهابي إلى أبعد الغايات في تعظيمكم ، والثّناء عليكم ، والإشادة في الآفاق بمنقاقبكم ، ديدنا [٤] معروفا ، وسجيّة [٥] راسخة ، يعلم الله وكفى به شهيدا ، وبهذا كما في علمكم قسما [٦] ما اختلف لي فيه أول وآخر ، ولا شاهد ولا غائب. وأنتم أعلم بما في نفسي ، وأكبر شهادة [٧] في خفايا ضميري. ولو كنت ذاك ، فقد سلف من حقوقكم ، وجميل أخذكم ، واجتلاب الحظّ ـ لو هيّأه القدر ـ بمساعيكم ، وإيثاري بالمكان من سلطانكم ، ودولتكم ، ما يستلين معاطف القلوب ، ويستل [٨] سخائم
[١] اعتلق الشيء ، وبه : أحبه ؛ كتعلقه ، وتعلق به.
[٢] أدلج : سار الليل كله ، أو جزءا منه.
[٣] تبلج الصبح : أسفر وأضاء.
[٤] الديدن : العادة.
[٥] السجية : الخلق.
[٦] الكلام على معنى : «وبهذا ، كما في علمكم ، أقسم قسما الخ».
[٧] الشهادة : الحضور ؛ وليس يبعد أن يكون أصل الكلام : «وأكبر شهادة بما في خفايا ضميري» ، فسقطت كلمة «بما» من الأصول.
[٨] استلان الشيء : ألانه. (أساس). ومعاطف القلوب : مثانيها ؛ ومن كلامهم : «رزقك الله عيشا تلين لك مثانيه ومعاطفه». يريد : أسديت إلي من خيرك ما من شأنه أن يصل إلى أعماق القلوب.
(وانظر اللسان (ثنى).