رحلة ابن خلدون - محمّد بن تاويت الطنجي - الصفحة ١٢٧ - رحلته إلى الأندلس
السنيّة ، والعارفة الوارفة ، [١] واللطيفة المطيفة ، بين رجع الشباب يقطر ماء ، ويرفّ [٢] نماء ، ويغازل عيون الكواكب ، فضلا عن الكواعب ، إشارة وإيماء ، بحيث لا الوخط يلمّ بسياج لمّته ، أو يقدح ذباله في ظلمته ، أو يقوم حواريّه في ملّته ، من الأحابش وأمّته ، وزمانه روح وراح ، ومغدى في النعيم ومراح ، وقصف صراح ، ورقى وجراح ، وانتخاب واقتراح ، وصدور ما بها إلا انشراح ، ومسرّات تردفها أفراح ، وبين قدومك خليع الرّسن ، ممتّعا ـ والحمد لله ـ باليقظة والوسن ، محكما في نسك الجنيد [٣] أو فتك الحسن ، [٤] ممتّعا بظرف المعارف ، مالئا أكفّ الصّيارف ، ماحيا بأنوار البراهين شبه الزّخارف لما اخترت الشّباب وإن شاقني زمنه ، وأعياني ثمنه ، وأجرت سحاب دمعي دمنه. فالحمد لله الذي رقى جنون اغترابي ، وملّكني أزمّة آرابي ، وغبّطني بمائي وترابي ، ومألف أترابي ، وقد أغصنّي بلذيذ شرابي ، ووقّع على سطوره المعتبرة إضرابي. وعجّلت هذه مغبّطة بمناخ المطيّة ، [٥] منتهى الطّية ، وملتقى للسعود غير البطية ، وتهنّي الآمال الوثيرة الوطية. فما شئت من نفوس عاطشة إلى ريّك ، متجمّلة بزيّك ، عاقلة خطا مهريّك ، ومولى مكارمه نشيدة أمثالك ، ومظانّ مثالك ، وسيصدّق الخبر ما هنالك ، ويسع فضل مجدك في التخلّف عن الإصحار ، [٦] لا ، بل للقاء من وراء البحار ، والسلام.
ثم أصبحت من الغد قادما على البلد ، وذلك ثامن ربيع الأول عام أربعة وستين ، وقد اهتزّ السّلطان لقدومي ، وهيأ لي المنزل من قصوره ، بفرشه وماعونه ، وأركب
[١] العارفة : العطية. والوارفة : المتسعة.
[٢] يقال : الشيء يرف إذا كثر ماؤه من النعمة والغضاضة.
[٣] هو أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد ، سيد الصوفية وإمامهم. توفي سنة ٢٩٧ أو ٢٩٨.
طبقات الشافعية للسبكى ٢ / ٢٨ ـ ٣٧ ، رسالة القشيري ص ٢١.
[٤] يريد أبا نواس : الحسن بن هانئ بن الجراح الحكمي ، الشاعر الماجن المعروف (١٤٥ ـ ٢٠٠) انظر ترجمته في شرح ابن نباتة لرسالة ابن زيدون ص ١٧٠ ـ ١٧٦.
[٥] الطية : الوجهة والقصد.
[٦] الإصحار : الخروج إلى الصحراء. يعتذر عن تخلفه عن الخروج للقياه بعيدا عن المدينة.