رحلة ابن خلدون - محمّد بن تاويت الطنجي - الصفحة ٣٥١ - فتنة الناصري
زحف إلى الشام ، فملك مدنه وحواضره من أيدي بني أيّوب ، إلى أن استوعبها. وجاء الخبر بأن بركة [١] صاحب صراي شريكه في نسب جنكزخان ، زحف إلى خراسان ، فامتعض لذلك ، وكرّ راجعا ، وشغل بالفتنة معه إلى أن هلك. وخرج قطز من مصر عندما شغل هولاكو بفتنة بركة ، فملك الشام كلّه ، أمصاره ومدنه ، وأصاره للترك موالي بني أيوب ، واستفحلت دولة هؤلاء المماليك ، واتّصلت أيامها واحدا بعد واحد كما ذكرنا في أخبارهم. ثم جاء قلاوون [٢] عند ما ملك بيبرس الظاهر منهم فتظاهر به ، وأصهر إليه ، والترف يومئذ لم يأخذ منهم ، والشّدّة والشكيمة موجودة فيهم ، والبأس والرجولة شعار لهم ، وهلك الظاهر بيبرس ، وابناه من بعده ، كما في أخبارهم.
وقام قلاوون بالأمر ، فاتسع نطاق ملكه ، وطال ذرع سلطانه ، وقصرت أيدي الطّطر عن الشام بمهلك هولاكو ، وولاية الأصاغر من ولده ، فعظم ملك قلاوون ، وحسنت آثار سياسته ، وأصبح حجة على من بعده ، ثم ملك بعده ابناه : خليل الأشرف ، [٣] ثم محمد الناصر. [٤] وطالت أيامه ، وكثرت عصابته من مماليكه ، حتى كمل منهم عدد لم يقع لغيره. ورتّب للدولة المراتب ، وقدّم منهم في كل رتبة الأمراء ، وأوسع لهم الإقطاع والولايات ، حتى توفرت أرزاقهم واتّسعت بالترف أحوالهم. ورحل أرباب البضائع من العلماء والتجار إلى مصر ، فأوسعهم حباء وبرّا. وتنافست أمراء دولته في اتخاذ المدارس والربط والخوانق ، وأصبحت دولتهم غرّة في الزمان ، وواسطة في الدول ، ثم هلك الناصر بعد أربعين وسبعمائة ، فطفق أمراء دولته ينصبون بنيه للملك ، واحدا بعد آخر ، مستبدّين عليهم ، متنافسين في الملك ، حتى يغلب واحد منهم الآخر ، فيقتله ، ويقتل سلطانه من أولاد الناصر ، وينصب
[١] يأتي الحديث عنه فيما بعد.
[٢] أنظر أخباره في العبر ٥ / ٣٩٤ ـ ٤٠٣.
[٣] انظر العبر ٥ / ٤٠٣ ـ ٤٠٦ حيث ذكر توليته ، وفتوحاته ، ثم مقتله.
[٤] انظر أخباره في العبر ٥ / ٤٠٦.