رحلة ابن خلدون - محمّد بن تاويت الطنجي - الصفحة ٢٣٢ - فصل رسالة إلى سلطان تونس
وأوفاق ، [١] التّوفيق ، الناشئة من خطوط الطريق ، موافقة ، وأسواق العزّ بالله نافقه ، وحملاء الرّفق مصاحبة ـ والحمد لله ـ مرافقة ، وقد ضاقت ذروع الجبال ، عن أعناق الصّهب السّبال ، [٢] ورفعت على الأكفال ، ردفاء كرائم الأنفال ، وقلقلت من النواقيس أجرام الجبال ، بالهندام [٣] والاحتيال ؛ وهلك بمهلك هذه الأمّ بنات كنّ يرتضعن ثديّها الحوافل ، [٤] ويستوثرن حجرها الكافل ، شمل التخريب أسوارها ، وعجّلت النّار بوارها.
ثم تحرّكنا بعدها حركة الفتح ، وأرسلنا دلاء الأدلاء [٥] قبل المتح ، [٦] فبشّرت بالمنح ، وقصدنا مدينة أبّدة ، وهي ثانية الجناحين ، وكبرى الأختين ، ومساهمة جيّان في حين الحين ، [٧] مدينة أخذت عرض الفضاء الأخرق ، [٨] وتمشّت فيه
[١] أوفاق ، جمع وفق ؛ وهي مربعات تحتوي على بيوت مربعة صغيرة ، وتوضع في تلك البيوت أرقام ، أو حروف ، على نظام بحيث لا يتكرر عدد في بيتين ، وبحيث يكون مجموع أضلاع المربع ، ومجموع أقطاره متساويا ؛ ويسمى الوفق ـ بعد ذلك ـ بما في أحد أضلاعه من بيوت ؛ فيقال : المثلث ، والمربع ، والمخمس الخ ؛ وقد يحتوي على مئة من البيوت فيقال : الوفق المئيني. ويقول أصحاب الأوفاق : إن للاعداد ـ في هذا الوضع ـ خواص روحانية ، وآثارا عجيبة ، إذا اختير للعمل بها وقت مناسب ، وساعة شريفة. وكلام ابن الخطيب على التشبيه والتجوز.
[٢] الصّهب : جمع أصهب ، وهو الأبيض تخالطه حمرة. والسبال : جمع سبلة ؛ وهي اللحية ، أو ما على الشارب من شعر ؛ ويقال للأعداء عامة هم صهب السبال ؛ ذلك لأن الصّهوبة في الروم ، وقد كانوا أعداء العرب ؛ ثم قالوا لكل الأعداء : هم صهب السبال.
[٣] الهندام آلة يحتال بها على رفع أو تحريك الأشياء الثقيلة التي لا تستطيع قوى الإنسان المجردة أن ترفعها ، أو تحركها. وقد وصف هذه الآلة ابن خلدون في آخر فصل البناء من مقدمته.
[٤] الحوافل : جمع حافلة ، وهي الناقة الممتلئ ضرعها لبنا.
[٥] جمع دلو ؛ وهي ما يستقى به. والأدلاء : جمع دليل ، وهو المرشد. ويريد : قدمنا ـ قبل بدء القتال ـ طلائع لتكشف ما عند العدو من استعداد.
[٦] المتح : الاستقاء.
[٧] الحين : الهلاك.
[٨] الأخرق : البعيد الواسع.