إنهما ناصران - فوزي آل سيف - الصفحة ٤٤ - خديجة الطاهرة
وهذا ما يشير إلى كمال عقلها فإنها لو استسلمت للجو العام لما عدت أصحاب المال المعدمين أخلاقاً، وأصحاب الجاه الاجتماعي ورؤساء القبائل، ولكنها نظرت بعيداً، وكذلك أيضاً لم تترك العادات والمألوف هي التي تقرر مصير مستقبلها، فإنا نلاحظ أن قسماً من الناس يفكرون بنحو جيد، ولكن تقيدهم العادات، وتحاصرهم التقاليد، فتسوقهم إلى اتخاذ قرارات على غير قناعاتهم، مثل أن المرأة ينبغي في موضوع الزواج أن تكون منفعلة، ومنتظرة فإن جاء رزقها كما تحب وإلا فهي لا تستطيع أن تحرك ساكناً إلا أن هذه المرأة النموذجية بدأت تفكر في كيفية مناسبة للقرب من محمد، لا سيما وهي تسمع كلاماً هنا وهناك أن رسولاً سيبعث في أم القرى، وإذا قُدر ذلك في زمانها فمن سيكون أولى بهذه المنزلة من محمد؟
في الطرف الآخر كان محمد بن عبد الله ٦، قد بلغ من السن ما يقتضي منه الاستقلال والاعتماد على نفسه بل مساعدة عمه وكافله أبي طالب، وكان أن التقت الرغبتان فخرج محمد في أموال خديجة مضارباً بها إلى الشام.
وعاد محمد من سفرته التجارية.. عاد وقد ملأ نفس ميسرة غلام خديجة إعجاباً، وأترع قلبه حباً، ورأى معه من العجائب ما ينبغي أن يكون حديث المتكلمين والسُّمار.. فالملكان اللذان يظلانه عن الشمس وصفقة يمينه التي تباري السحاب في بركتها، وأمانته في المعاملة وصدقه فيها، يبطل كل ما قالوه من أن السوق تحتاج إلى