رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٥١٤ - فصل
موسى عن جواب (ما) بل أجاب عن جواب (من) الذي يليق به و بربوبيّته، فقال: «رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما.» فلم يرض فرعون الجواب، فقال لمن حوله من الناس المتكلمين: «أ لا تستمعون؟» أسأله (ما هو؟) و يجيبني (من هو؟) و كذا سأل مشركو قريش و مجادلوهم النبيّ، ٧، فقالوا نعبد أصنامنا و آلهتنا، و نحن نراها و نشاهدها و نعرفها، فأخبرنا عن إلهك الذي تعبده ما هو؟ فأنزل اللّه تعالى قوله: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» فقالوا: لا يفهم و لا يعرف! يريدون ماهيّة ذاته، أ جوهر هو أم عرض؟ أنور هو أم ظلمة؟ أجسم هو أم روح؟ أ داخل هو أم خارج؟ أ قائم هو أم قاعد؟ أ فارغ هو أم مشغول؟ و ما شاكل هذه المباحث و المطالب التي لا تليق بربوبيّته، تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوّا كبيرا.
فصل
ثم اعلم أن مسألة الخلاف للذات و الصفات هي أيضا من إحدى المسائل الخلافية بين العلماء في الآراء و المذاهب، و ذلك أن كثرة الظنون و التخيّلات العارضة للأفهام، إذا تفكرت النفوس في ماهيّة اللّه، و كيفيّة صفاته اللائقة، فلا تهتدي الظنون و لا تقرّ الأفهام عن الجولان، و لا تسكن النفوس إليه و لا تطمئن القلوب له حتى يعتقد الإنسان رأيا من الآراء، و تسكن نفسه إليه، و يطمئن قلبه به.
فمن الناس من يرى و يعتقد أن اللّه تعالى شخص من الأشخاص الفاضلة، ذو صفات كثيرة ممدوحة و أفعال كثيرة متغايرة، لا يشبه أحدا من خلقه، و لا يماثله سواه من بريّته، و هو منفرد من جميع خلقه في مكان دون مكان.
و هذا رأي الجمهور من العامة و كثير من الخواصّ.