رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٨٠ - فصل في أنواع المحبوبات و ما الحكمة فيها
الأشكال و المحاسن، و الزينة الموجودة في الأشكال و الأجساد اللحمية، من الحيوان و الناس، و هي المحبوبة المرغوبة فيها، المشتهاة المعشوقة عند أكثر الناس من البالغين العقلاء. فإذا ارتاضت نفوسهم في العلوم الإلهية و المعارف الرّبّانيّة، ارتفعت نفوسهم أيضا عن هذه الصّور و التماثيل المزوّقة الموجودة في اللحم و الدم إلى ما هي أشرف منها و أفضل، و هي الصورة للنفوس ذوات الحسن و البهاء و الكمال و الجمال التي تراها النفوس الناطقة الناجية في عالم الأرواح.
ثم اعلم أنه لما قصرت أفهام كثير من الناس عن تصوّرها، و قلّت معرفتهم بها، رضوا بهذه الصورة و الأشباح الجسمية الجسدانيّة المؤلّفة من اللحم و الدم، و الصّديد[١]، و اطمأنوا إليها، و سكنوا إليها، و تمنّوا الخلود بها لنقص نفوسهم، كما ذكر اللّه تعالى: «رَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَ اطْمَأَنُّوا بِها وَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ.» و آيات كثيرة في القرآن في هذا المعنى.
ثم اعلم يا أخي أنه مقرّر في طباع الموجودات، و جبلة النفوس، محبّة البقاء، و الدوام السرمدي، على أتمّ الحالات، و أكمل الغايات. و أتمّ حالات النفس الشّهوانية بأن تكون موجودة أبدا، تتناول شهواتها، و تتمتع بلذاتها التي هي مادّة وجود أشخاصها، من غير عائق و لا تنغيص.
و هكذا من أتمّ حالات النفس الحيوانية أن تكون موجودة أبدا، رئيسة على غيرها، قاهرة لمن سواها، منتقمة ممن يؤذيها من غير عائق و لا تنغيص.
و هكذا أيضا من أتم حالات النفس الناطقة أن تكون موجودة أبدا، مدركة لحقائق الأشياء، متصوّرة لها، ملتذة بها، مسرورة فرحانة بلا عائق و لا تنغيص.
و إنما صارت النفوس الناطقة تلتذ بالعلوم و المعارف، لأن صور المعلومات
[١] -الصديد: ماء الجرح الرقيق. او هو القيح المختلط بالدم.