رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٥٨ - (حكاية)
المقعد عنق الأعمى، و طاف به البستان، فأفسدا فيه ذلك اليوم ما قدرا عليه، و وصل المقعد عليه. ثم رجعا إلى موضعهما و رقدا. فلما جاء الناطور لم يخف عليه ما حدث في البستان من فساد الثمار، و ما كان غيّر عليه منها في أشجار معلومة أراد قطافها ليهديها إلى بعض رؤساء الناحية فلم يجده على الشجرة. فجاء إليهما و سألهما: هل دخل ذلك البستان أحد في غيبتي؟
فقالا له: ما ندري. فقال الأعمى: ترى حالي أني لا أبصر. و قال المقعد:
و أنا كنت نائما.
فصدقهما الناطور. فلما كان الغد خرج الناطور على الرّسم، فقاما و فعلا أقبح من فعلهما الأول. و عاد الناطور و رأى الفساد قد تضاعف عما كان بالأمس، فخاف الملامة من صاحب البستان، و أنه يقول: لعلك تبيع ثماري أو لست تحفظها. فقال: كيف أعمل حتى أعلم من الذي يصيب هذا البستان، و من يفعل ذلك في البستان؟
فلما كان من الغد أوهمهما أنه قد خرج لعادته، و استتر ببعض حيطان البستان، فقاما إلى ما قد عوّلا عليه من الفساد و ارتكاب المحظور. فلما رآهما الناطور علم أن الفساد من جهتهما، و كان رجلا حليما رحيما لطيفا، فتركهما حين رأى ما يعملانه، و قبيح ما يصنعانه، إلى أن عادا إلى مكانهما، فأقبل عليهما و قال لهما: و يحكما، ما الذي استحقّ به صاحب البستان ما فعلتماه و من هذا العبث و الفساد في البستان؟
فبهتا ... فقال الناطور: إني نظرت إليكما و قد قمت أيها المقعد في كتف عنق الأعمى، و مشى بك تحت الشجرة، فما وصلت إليه أخذته بيدك، و ما لم تصل إليه ضربته بعصاك.
فلما سمعا منه ذلك تحقق كلاهما أنه قد رآهما، فقالا له: قد فعلنا ذلك، فلا تخبر به صاحب البستان، فإنّا نتوب على يديك، و لا نعاود.
فقبل منهما، و أقبل الناطور يعظهما، و قال: أنا آتيكما بكلّ ما تريدان من